الصفحة 22 من 63

(هـ) : أما اليوم فلا توجد هذه الدولة الإسلامية الجامعة التي تذود عن حياض المسلمين! فالعدو البعيد صار قريبًا! والعدو القريب هو العين الساهرة لحماية مصالح العدو البعيد في بلاد المسلمين! كما أن العدو البعيد هو الذي يحمي عروش العدو القريب! ويطيل في عمر هذه الأنظمة الآيلة للسقوط! فالعدو البعيد على مرمى حجر من العدو القريب! فقواعده منتشرة في ربوع العالم الإسلامي! وجنوده يصولون ويجولون تحت سمع وبصر وحماية العدو القريب! لقد تماهى العدو القريب في البعيد ولم نعد نفرق بينهما! فهما وجهان لعملة واحدة!

وها نحن أولاء نرى العدوين البعيد والقريب في مكان واحد (فلسطين/أفغانستان/العراق/ الصومال/كشمير/الشيشان والحبل على الجرار) ! وقد أشار الرازي إلى اجتماع العدوين في وقت واحد بقوله في تفسيره: (ومصالح الدنيا مبنية على ترجيح ما هو أكثر مصلحة على ما هو الأقل، وهذا الذي قلناه إنما قلناه إذا تعذر الجمع بين مقاتلة الأقرب والأبعد، أما إذا أمكن الجمع بين الكل، فلا كلام في أن الأولى هو الجمع، فثبت أن هذه الآية غير منسوخة البتة) أهـ (الرازي: مفاتيح الغيب ج16 ص235) .

إذن فالجماعات الإسلامية الجهادية تقاتل العدوين؛ البعيد والقريب في مكان واحد! العدو البعيد (أمريكا والناتو) احتلوا أفغانستان ونصبوا عملاء لهم (العدو القريب؛ كرزاي وبطانته) ! ونفس السيناريو في العراق العدو البعيد (أمريكا وحلفاؤها) نصبوا أحفاد أبي رغال حكومة الخضران! المالكي وعصابته! (العدو القريب) ! وحتى في الصومال العدو البعيد (نسبيًا) أثيوبيا احتل الصومال بمباركة (العدو القريب) عبد الله يوسف وزمرته! وهذه مجرد أمثلة تنطبق على البلاد المحتلة مباشرة أو بالوكالة!

(و) : انظر يا صاحب التعرية! إلى هذا الكلام النفيس للحافظ ابن قدامة الحنبلي الذي كان يجاهد الصليبيين وهو يدافع عن الإمام الزاهد المجاهد عبد الله بن المبارك الذي كان يجاهد العدو البعيد في بلاد الشام ويترك القريب في بلاد خراسان! يقول ابن قدامة مدافعا ًعن ابن المبارك: (هذا والله أعلم إنما فعله ابن المبارك لكونه متبرعًا بالجهاد والكفاية حاصلة بغيره من أهل الديوان وأجناد المسلمين والمتبرع له ترك الجهاد بالكلية فكان له أن يجاهد حيث شاء ومع من شاء. إذا ثبت هذا فإن كان له عذر في البداية بالأبعد لكونه أخوف أو المصلحة في البداية به لقربه وإمكان الفرصة منه، أو لكون الأقرب مهادنًا أو يمنع من قتاله مانع فلا بأس بالبداية بالأبعد لكونه موضع حاجة) أهـ (ابن قدامة: المغني مع الشرح الكبير/ج10 ص373) .

أقول: هكذا كانت أخلاق العلماء واختلافهم وحسن ظنهم ببعضهم! فلم يفسقوا أو يبدعوا الحافظ عبد الله بن المبارك لأنه ترك جهاد العدو القريب في خراسان! وجاء الشام ليرابط ويغزو العدو البعيد في البر والبحر!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت