الصفحة 45 من 48

في وقت سقوطه للعجز، فإنّ ما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب. اهـ وذلك كما قال الجويني (غياث الأمم، ص: 72) : إذا انسلّ عن الدّين - أي الحاكم - فالأمّة في تأخير إقالته بعد ثبوت ردّته آثمة. اهـ

-الوجه الثاني: أسوق هذا الوجه ممّا كتبه الشيخ حماد عبد الاخر: قال ابن عبد البر في الكافي (1/ 463) : ( .. وسأل العمري العابد - وهو عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله [بن عبد الله] بن عمر بن الخطاب - سأل مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله أيسعنا التخلف عن قتال من خرج عن أحكام الله عز وجل وحكم بغيرها؟ فقال مالك: الأمر في ذلك إلى الكثرة والقلة. وقال أبو عمر: جواب مالك هذا وإن كان في جهاد غير المشركين فإنه يشمل المشركين ويجمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كأنه يقول من علم أنه إذا بارز العدو قتلوه ولم ينل منهم شيئًا جاز له الانصراف عنهم إلى فئة من المسلمين بما يحاوله فيه ... ) .

أن المتأمل في صيغة السؤال الموجه للإمام مالك رحمه الله يجد أن السائل لا يسأل عن جواز قتال من يحكم بغير ما أنزل الله، وإنما يسأل عن جواز التخلف عن قتالهم، فإذا علمنا أن السائل هو عبد الله بن عبد العزيز العمري العالم الزاهد الثقة الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر كما في تهذيب التهذيب (3/ 196 - 197) ، أقول إذا علمنا ذلك، علمنا لم كان السؤال بهذه الصيغة، فالعمري العابد رحمه الله قد استقر في ذهنه أن قتال من لم يحكم بما أنزل الله مشروع بل واجب ولكنه يسأل هل من رخصة تسوغ التخلف عن هذا القتال؟ وكان رد الإمام مالك رحمه الله دقيقا أيضا فإنه أرجع الأمر للقلة والكثرة أي للقدرة أي من كان عنده قدرة لم يسعه التخلف ومن كان غير قادر فلا شيء عليه إن هو انصرف عن القتال.

كما أن في تفسير الإمام ابن عبد البر لكلام إمام دار الهجرة رضي الله عنه لفتة طيبة وهي قوله: (جاز له الانصراف) ولم يقل (وجب عليه الانصراف) مما يدل على أن القدرة ليست شرطا في صحة القتال بل هي شرط في وجوبه فمن لم يكن قادرًا على الجهاد فلا شيء عليه إن هو تكلف الجهاد فجاهد حتى لو علم أنه لن يحقق النصر على العدو ما دام في ذلك مصلحة شرعية ككسر قلوب الكفار أو تجرئة قلوب أهل الإيمان أو غير ذلك. اهـ

-الوجه الثالث: إذا قامت طائفة بهذا الأمر وجب التعاون معهم لا خذلانهم، قال الفضيل بن عياض: فإن لم يقع ذلك إلاّ لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر. اهـ

و قد رأينا سابقا مواقف أهل العلم تُجاه من خرجوا ضدّ حكام فساق وليسوا بكفار، الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك، والإمام أحمد بن نصر الخزاعي، وعامر الشعبي، وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن أبي ليلى وكميل بن زياد ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت