انتفاعهم بمشاركة امثالهم لهم في العذاب انما سببه وعلته ظلمهم، فاذا كان كذلك كان احتياج الجملة اليه نحوا من
هم في العذاب انما سببه وعلته ظلمهم، فاذا كان كذلك كان احتياج الجملة اليه نحوا من احتياجها الى المفعول له ... الا ترى ان معناه: انكم عدمتم سلوة التاسي بمن شارككم في العذاب لاجل ظلمكم فيما مضى )) [1] .لو تاملناه لوجدنا - وهو يرد به على ان تكون (اذ) مفعولا به - ان رده على المفعولية قائم على بيان عليه وسببية (اذ) دون ظرفيتها، وهو عندما يطلق لفظ (الظرفية) على (اذ) انما يريد به التسمية - اذ عرف عن (اذ) ذلك - وليس المراد الزمن او الاصطلاح. اما دلالة قوله: (فيما مضى) على الزمن الماضي فهي مفهومة من بناء الفعل (ظلم) لا من (اذ) . ومن ثم فعمدة معنى (اذ) هنا هو التعليل والسببية لا الظرفية، والجملة قد عقدت عليه.
اضافة الى ما سبق، لو تاملنا قولنا: (ضربته اذ اساء) لوجدنا ان زمن وقوع الاساءة ماض يسبق زمن وقوع الضرب اذ لا يقعان في نفس الزمن، وان الاساءة سبب الضرب، و (اذ) جاءت لافادة هذا مجردة عن الدلالة على الزمن الماضي، اما الضرب والاساءة فهو مفهوم من بناء الفعلين.
نخرج من ذلك كله الى ان (اذ) هنا - اعني في الاية الكريمة ومثيلتها - ليست ظرفية محضة، ولا ظرفية تفيد التعليل، بل هي حرف تعليل داخل على السبب. وقد تفيد - فضلا عن ذلك - تجاورا زمنيا بين السبب والمسبب؛ فوقوع المسبب يكون عقيب وقوع السبب وفي اثره [2] ، ذلك اذا كان السبب فعلا ماضيا (والمسبب كذلك) او دالا على الحال. يتوضح ذلك لو نظرنا في قولينا: (ضربته اذ اساء) و (ضربته لانه اساء) ، فزمن وقوع الضرب في الجملة الاولى مجاور لزمن وقوع الاساءة، وواقع في اثرها. واما في الثانية فقد تكون بين زمني وقوعهما فسحة وتراخيا. وكذا لو قلنا: (اعطيه اذ سالني) و (اعطيه لانه سالني) ؛ فالاعطاء حاصل في كلا الجملتين في الوقت الحاضر، لكن (اذ) قربت زمن وقوع السؤال من زمن وقوع الاعطاء وليس كذلك في الجملة الثانية.
وافادت (إذ) التعليل في قول الفرزدق:-
فاصبحوا قد اعاد الله نعمتهم اذهم قريش واذ ما مثلهم بشر [3]
فهي هنا دخلت على السبب وهو كونهم قريشا وكونهم ما مثلهم بشر، والمسبب هو تكريم الله لهم باعادة النعمة عليهم، وقد سبق السبب المسبب في التصور والواقع.
(1) الخصائص: 2/ 173.
(2) ينظر الخصائص:3/ 222.
(3) ديوان الفرزدق: 167، الكتاب: 1/ 29.