قوله ايضا ان ما قبل اللام سبب لوجود ما بعدها ولذا قال في موضع اخر: (( ان ما قبلها من الفعل علة لوجود الفعل بعدها ) ) [1] ، ولعل هذا ما يقصده بعضهم من ان الغرض بعد لام التعليل ترتب على الفعل [2] .
ومن ثم فان الفعل قبل اللام يكون علة من جهة؛ اذ هو ما يسبب حصول الغرض، ومعلولا من جهة اخرى لان الغرض في ذهن الفاعل هو الذي حمله على ايقاع ذلك الفعل فسبب ايجاده.
ومثال ذلك: (جئتك لمساعدتك) فاللام دخلت على الغرض؛ اذ ان المساعدة هي الغرض والعلة الغائبة من المجيء والحاملة عليه، كما ان ايقاع المجيء سبب لاحداثها، قال تعالى:: {أنا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله} (النساء:105) فالحكم بين الناس هو غرض انزال الكتاب اليه، والانزال سبب للحكم بينهم.
ومثله قوله عز وجل: {وما جعلنا اصحاب النار الا ملائكة وما جعلنا عدتهم الا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين اوتوا الكتاب ويزداد الذين امنوا ايمانا ... } (المدثر:31) فاللام في (ليستيقن) افادت التعليل وقد دخلت على الاستيقان الذي هو غرض جعل عدة الملائكة (اصحاب النار) فتنة وهو العلة الغائية الحاملة على ايقاع ذلك الفعل. فهي متعلقة بجعلنا لا بفتنة، وايقاع جعل عدتهم فتنة سبب للاستيقان. وعليه فجعل العدة فتنة (لا الفتنة نفسها) هو معلول الاستيقان (في الذهن) قال الزمخشري: (( ما جعل افتتانهم بالعدة سببا لذلك(يعني للاستيقان) وانما العدة نفسها هي التي جعلت سببا ... كانه قيل: ولقد جعلنا عدتهم عدة من شأنها ان يفتتن بها لاجل استيقان المؤمنين وحيرة الكافرين واستيقان اهل الكتاب )) [3] .
وكذا قول امرئ القيس:-
وليل كموج البحر ارخى سدوله علي بانواع الهموم ليبتلي [4]
(((ليبتلي) أي: لينظر ما عندي من الصبر والجزع )) [5] ، فالابتلاء هو غرض الليل من ارخائه لسدوله بالهموم، والعلة الحاملة عليه، ومثله قول الاخر:-
ان اخاك الحق من كان معك ... ومن يضر نفسه لينفعك
ومن اذا ريب الزمان صدعك ... شتت فيك شمله ليجمعك [6]
اما دخول اللام على السبب فبه يكون ما بعدها سببا لوجود ما قبلها، كقولنا: (ضربت زيدا
(1) شرح المفصل: 7/ 21.
(2) ينظر البرهان: 4/ 346.
(3) الكشاف: 4/ 651، وينظر البحر المحيط: 8/ 376.
(4) ديوان امرئ القيس: 18، شرح القصائد التسع المشهورات: 1/ 159.
(5) شرح القصائد التسع المشهورات: 1/ 159.
(6) روائع الحكم:97.