ان الباعث انما هو الحدث لا الذوات [1] اما ما ورد من ذلك مفيدًا للتعليل فهو - غالبًا - على تقدير محذوف يدل عليه السياق ويبين كونه غرضا او سببًا، من ذلك قوله تعالى: {واذ استقى موسى لقومه} (البقرة:60) فاللام هنا للتعليل بدليل تقدير لأجل، فيقال: لاجل قومه، [2] وما بعدها هو ما حمل موسى (- عليه السلام -) ليستسقي، والقوم من حيث انهم ذات لايصلحون ان يكونوا غرضا او سببا لذا لابد من تقدير مضاف كأن تقول: لأرواء قومه، فيكون تعليلا بالغرض، او تقول: لعطش قومه، فيكون تعليلا بالسبب، وكذا قول امرئ القيس:
ويوم عقرت للعذارى مطيتي ... فيا عجبًا من رحلها المتحمل [3]
والمعنى مثلًا: لاكرام العذارى، وكذا قولهم: (جئت للسمن) ، أي: لأخذ السمن. و مثله: (صليت لله تعالى) ، أي: للتقرب لله ولمرضاة الله. ومثل هذا كثير واغلبه يقع مع اللام.
ثم ان معنى التعليل يختلف عن معنى السببية، الاّ انّ الثاني يتضمن الاول اذ ان فيه ذكر علة ومعلول كما ان الاول كذلك، وسيأتي توضيح هذا في مبحث التركيب الشرطي [4] .
فائدة التعليل
يلجأ الانسان بفطرته عند رؤيته حدثا الى البحث عن علة حدوثه، ويجد في صميم طبيعته باعثا يبعثه الى محاولة تعلييله، ذلك لانه استقر في نفسه ان لكل شيء سببا ولكل معلول علة، وهذا من اوائل ما يدركه البشر في حياته. فمبدأ العلية اذًا مبدأ عقلي يجعل الانسان دائما يواجه سؤال: لماذا؟ [5] حتى اذا خفي عنه سبب الحدث او جهله اثار ذلك في نفسه العجب، ولذلك قيل: اذا ظهر السبب بطل العجب [6] .
من اجل ذلك قد نلحظ ان ذكر التعليل يغني النفس عن البحث عن السبب، ويجنبها الانشغال بالعجب، فينحصر التأثر والانفعال، بالثقة والاطمئنان الى ما يقال، ولذلك قيل: (( ان اثبات الشيء معللًا اكد من اثباته مجردا من التعليل ) ) [7] . فقوله تبارك وتعالى: {اتقوا ربكم ان زلزلة الساعة شيء عظيم} (الحج:1) فيه انهم امروا بان يتقوا ربهم الله، ولعل ذكر الامر وحده لا يحملهم على التقوى فذكر
(1) همع الهوامع: 3/ 131.
(2) ينظر اللامات-دراسة نحوية:76.
(3) ديوان امرئ القيس: 11، مغني اللبيب: 1/ 229.
(4) ينظر الفصل الثالث، المبحث الاول صفحة ( ... ) من هذا البحث.
(5) ينظر الفلسفة نشأة وتطور: 278 - 279.
(6) تنظر: حاشية الملوي على شرح المكودي: 125،126، حاشية الصبان: 3/ 16.
(7) الطراز: 3/ 138 - 139.