وقد تقع هذه المشتقات في سياق يفهم انها تتضمن علة، وهذه العلة هي المعنى او الحدث في الاسم المشتق، فقولك: (عاقب المسيء) فيه ان اسم الفاعل (المسيء) تضمن (الاساءة) -وهو المعنى او الحدث - والقائم بها. والاساءة هذه هي سبب وعلة المعاقبة او الامر بها. ومنه قوله تعالى: {ويل للمطففين} (المطففين:1) فـ (المطففين) اسم الفاعل، وتطفيف هؤلاء هو ما ادى الى الدعاء عليهم باهلاك. مثله قوله {ويل يومئذ للمكذبين} (المطففين:10) اذ ان كذبهم سبب في الدعاء عليهم.
واوضح من ذلك ما يفهم من الاسم المشتق عند وقوعه موقع الحال او الصفة، قال ابو حيان: (( والحال والصفة قد يجيئان وفيهما معنى التعليل، تقول: اهن زيدا سيئا، واكرم زيدا العالم، تريد لاساءته ولعلمه ) ) [1] .
ومن ذلك قول الرسول الكريم (- صلى الله عليه وسلم -) : (( القاتل لا يرث ) ) [2] ، فالقتل المفهوم من اسم الفاعل (القاتل) هو سبب استثناء القاتل من الارث، وهو كذلك عند الاصوليين، قيل: (( اما هذا الخطاب فجاء مبينا ان القاتل من الوارثين الذين عرفوا في غير هذا الخطاب لا يرث، فالقتل اذا علة لمنع الارث ) ) [3] .
ويظهر من ذلك ان التعليل السياقي هنا هو تعليل بالسبب فحسب.
على ان التعليل في الموضعين الاخيرين - اعني جملة صلة الموصول والمشتقات - ليس واضحا كل الوضوح، اذ ليس المقصود من الكلام التعليل او تبيين السبب، فعندما يقال: سا حسن الى من يزورني، فانما يراد بيان نية الاحسان، وعندما يقال: عاقب المسيء، او القاتل لا يرث، انما يراد الامر بالمعاقبة، وبيان عدم استحقاق الارث.
وقد يفهم سياق الكلام في غير ما تقدم تعليلا، قال تعالى: {ولا تقتلوا اولادكم خشية املاق نحن نرزقهم واياكم} (الاسراء:31) فجملة (نحن نرزقهم واياكم) في مقام التعليل للنهي، وايضا قوله تعالى: {قال ما منعك الا تسجد اذ امرتك قال انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} (الاعراف:12) فعلة عدم سجود ابليس اللعين هو ظنه بانه خير من ادم (- عليه السلام -) ،وعلة كونه خيرا منه - على حد ضنه - انه مخلوق من نار وادم (- عليه السلام -) مخلوق من طين، فجملة (انا خير منه) في مقام التعليل لعدم السجود، وجملة (خلقتني من نار) والمعطوفة عليها (خلقته من طين) في مقام التعليل لقوله: (انا خير منه) .
(1) البحر المحيط: 7/ 178.
(2) سنن ابن ماجه: 2/ 913.
(3) مباحث العلة: 382.