سابق لعدم بسط اليد، اما استمراره مستقبلا فهو احتمالي غير قطعي ووجوده في المضي كذلك.
وقد يوحي مضمون جملة (ان) بالاستقبال كقوله تعالى: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا انهم مغرقون} (هود:37) ، وقوله: {يا ايها الناس اتقوا ربكم ان زلزله الساعة شيء عظيم} (الحج:1) ولعل هذا الاستقبال يفهم من وقوع ما في جملة (ان) ، كالاغراق وزلزلة الساعة، وليس هما المقصودين، فالمراد - والله اعلم - من (انهم مغرقون) ان الاغراق قد ثبت عندنا اذ حكمنا عليهم به، جاء في الكشاف: ... (((انهم مغرقون) انهم محكوم عليهم بالاغراق، وقد وجب ذلك وقضى به القضاء وجف القلم، فلا سبيل لكفه )) [1] ؛ فالاغراق اذا قد ثبت فكانه متحقق، بخاصة لو تذكرنا ان (ان) تفيد التوكيد والتحقيق [2] ، وتقرير ثبوت المؤكد [3] .وهذا هو سبب النهي عن التكلم في ذاك الشأن. وكذا الاية الثانية، فعظم هول الساعة امر ثابت عند الامر بالتقوى مركوز في ذهنه وهو سبب الامر بها.
ونلاحظ هنا ان اغلب ما يعلل بجملة (ان) يكون نفيا او طلبا كما في الامثلة المتقدمة، او ما يدل على الطلب، كقوله عز وجل: {إنا كنا من قبل ندعوه انه هو البر الرحيم} (الطور: 28) فكون الله برا رحيما سبب في دعائهم اياه، وقوله: {ندعوه} دال عل وقوع طلب. ومن غير ذلك قول تعالى: {ما جئتم به السحر فان الله سيبطله ان الله لا يصلح عمل المفسدين} (يونس:81) .
ثم ان (ان) وجملتها اذا جاءت في مقام التعليل حسن ان توضع الفاء موضع (ان) [4] .كما ان السياق مع (ان) محمول على تقدير سؤال، ففي اية الطور (28) مثلا (( حينما قالوا: انا كنا من قبل ندعوه، كأن سائلا يسالهم: لم هذا الصنيع؟ فاجابوا: انه هو البر الرحيم، فكان فعلهم ودعاؤهم معللا بكون الله برا رحيما يرجى لكل ملمة ) ) [5] . ومن الجدير بالذكر هنا ان الفاء قد تدخل على (ان) وجملتها الواقعة موقع التعليل كقول الرسول الكريم (- صلى الله عليه وسلم -) في المحرم الذي وقصت به ناقته فمات ... واغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه بطيب ولا تخمروا راسه فانه يبعث يوم القيامة محرما )) [6] ،ويصح حذف هذه الفاء اذ يجوز ان يقال: انه يبعث ... ، ولعل دخول الفاء هنا يزيد معنى التعليل ويقوي الربط بين الجملتين.
الفرق بين فتح همزة (ان) وكسرها عند التعليل
تقدم في مبحث (أنّ) المفتوحة الهمزة انها تؤول مع صلتها بمصدر اذا افاد التعليل، ويكون على تقدير اللام. وهذا يجعل التعليل عند الفتح مقيدا بما قبله، واقعا معه في نفس الجملة.
(1) الكشاف: 2/ 392.
(2) ينظر: شرح المفصل: 8/ 59، الاقصى القريب: 7، الاتقان: 2/ 173.
(3) الحروف العاملة:109.
(4) ينظر البرهان: 3/ 91.
(5) مباحث العلة: 356، وينظر شرح التصريح: 1/ 218.
(6) سنن النسائي: 4/ 39.