الصفحة 140 من 179

وقد تكون السببية في الاستعمال اللغوي على العموم دالة على ذلك، فالفاء العاطفة الدالة على السببية يلحظ فيها ايضا ان العلة تذكر ليبين ما يتسب منها، فقولك: (ضربته فبكى) ذكر الضرب (وهو العلة) ليبين ان البكاء قد تسبب منه.

وكل ذلك انما يستشف من نظم الكلام وسياقه؛ اذ ان صياغة الجملة في التركيب الشرطي او في طلب وجوابه او في طلب وفاء السببية، او ان يؤتى بالفاء العاطفة السببية هو ما يوحى بان العلة انما تذكر ليبين ما يتسبب منها، قال الامام الغزالي: (( فلو قال: من مس ثوبا او جدارا او حجرا فليتوضأ، لفهم منه السببية كما يفهم من هذه الصور(ويعني بهذه الصور جملا لها تركيب مشابه لجملته او فيها فاء التعقيب والتسبيب) .فدل ان الصيغة بوضع اللغة منبه على التعليل دون المناسبة )) [1] .

فيظهر لنا مما تقدم ان السببية في الاستعمال اللغوي تبيين لما يتسبب عن امر يكون بموجب ذلك سببا وقد تقرر لدينا ان التعليل هو تبيين او ذكر لعلة الشيء، فكلاهما اذا يحوي امرا موجودا في الذهن مركوزا فيه، وامرا اخر يحتاج الى تبيينه والتعريف به، والامر في السببية هو (العلة) وفي التعليل هو (المعلل او المعلول) ، والامر الثاني في السببية هو (المعلول) ، وفي التعليل هو (العلة) .

وهذا الفرق بينهما لا يبعد السببية عن التعليل فهي تتضمنه تضمنا، اذ ان فيهما ذكر علة ومعلول. ويؤيد ذلك مضمون قول الامام الغزالي المتقدم.

ثم ان علتها لا تكون الا سببا، فهي لذلك تتضمن تعليلا بالسبب. ومن ثم فان التعليل في التركيب الشرطي من نوع التعليل بالسبب يكون فيه مضمون الشرط سببا لوقوع الجواب.

علاقة السببية في انواع الشرط السببي

1 -الشرط الوجودي السببي:

وهو الشرط الذي ترتبط فيه جملة الشرط بجملة الجواب ارتباطا سببيا، فيكون الاول سببا للثاني، وكلاهما متحقق، واداة هذا النوع (لما) التعليقية الوجودية، [2] (( فهي للامر الذي وقع لوقوع غيره ) ) [3] او هي حرف وجود لوجود، أي: حرف يقتضي وجود جوابه لوجود شرطه، وقيل: حرف وجوب لوجوب [4] .فهي لذلك في مقابلة (لو) في الشرط الامتناعي؛ اذ ان الاخيرة حرف لانتفاء الثاني لانتفاء الاول، و (لما) لثبوت الثاني لثبوت الاول [5] .

(1) شفاء الغليل:32.

(2) ينظر السببية والتعليل في التركيب الشرطي (بحث) :12.

(3) الكتاب:2/ 312

(4) ينظر: الجنى الداني: 538، مغني اللبيب: 1/ 310، حاشية الدسوقي عليه: 1/ 284.

(5) ينظر شرح الرضي:2/ 127.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت