والعلة بذكرها المطلق يراد بها العلة الفاعلية لا غيرها، وتسمى (سببا) عند المحدثين، وهو ما يترتب عليه مسبب عقلا او واقعا وقد تسمى بالمحرك او الفاعل ويقال للعلة الغائية غاية وغرض او العلة التمامية [1] .ومن خاصيتها (( ان سائر العلل بها تصير علة، فانه ما لم تتمثل صورة الكرسي المستعد للجلوس، والحاجة للجلوس في نفس النجار، ولا يصير هو فاعلا، ولا يصير الخشب عنصر الكرسي، ولا تحمل فيه الصورة؛ فالغائية حيث وجدت في جملة العلل هي علة العلل ) ) [2] .
وهي تقع جوابا للسؤال بـ (لماذا؟) او (لم؟) اكثر من وقوع العلة الفاعلية، ويكون الجواب بها مناسبا حين يتعلق الامر بالارادة الانسانية فحسب [3] .
وسنرى خلال البحث - ان شاء الله - ان التعليل الذي نحن بصدد بحثه لا يشتمل الا على العلتين الاخيرتين: الفاعلية (السبب عند المحدثين) والغائية (الغرض) .
ومن الجدير بالذكر ان من النحاة من استعمل تسمية الفلاسفة للعلل واشار الى تقسيماتهم على وفق ماتطلبه بحثه، فالرضي الاسترابادي (ت686هـ) مثلا في حديثه عن المفعول له قال: (( فالمفعول له قال: (( فالمفعول له هو الحامل على الفعل سواء تقدم وجوده على وجود الفعل كما في قعدت جبنا او تاخر عنه كما في جئتك اصلاحا لحالك، وذلكلان الغرض المتاخر وجوده يكون علة غائية حاملة على الفعل وهي احدى العلل الاربع كما هو مذكور في مظانه، فهي متقدمة من حيث التصور وان كانت متاخرة من حيث الوجود ) ) [4] ، وجاء في حاشية عليه: (( المفعول له سبب حامل للفاعل على الفعل وينقسم إلى قسمين: احدهما: علة غائية للفعل كالتاديب للضرب والثاني ما ليس كذلك كالجبن للقعود ) ) [5] .
فالقسم الاول للسبب الحامل للفاعل على الفعل هو العلة الغائية وهذا واضح، والقسم الثاني هو السبب (العلة الفاعلية) وهو ما اشار اليه بـ (ما ليس كذلك) ؛ اذ ان وجوده متقدم على وجود الفعل، ويترتب على وجوده مسبب، فالجبن سبب للقعود.
ونستطيع ان نقول - وفقا لتعريف الكندي للعلة الفاعلية - ان الجبن محرك للقعود أي سبب وجوده، فهو مبدأ نشوئه وهو اذا علته الفاعلية.
(1) ينظر: كشاف اصطلاحات الفنون 4/ 1041، المعجم الفلسفي - المجمع: 123، السببية: 10 - 11،80.
(2) مقاصد الفلاسفة: ق 2/ 44.
(3) ينظر اثر العلم في المجتمع:11.
(4) شرح الرضي على الكافية:2/ 192.
(5) المصدر نفسه (الحاشية) .