تضاد" [1] ، قلت: ولا غرابة في ذلك لأن الأحكام المختَلف فيها مسلكها الاجتهاد فيتصور وقوع الاختلاف في الفهم والاستنباط، أما التفسير فمعلوم مدى تورع السلف عن القول فيه بالرأي وإنما هو القول بالمأثور أو التعبير حسب أصول اللغة وهذان لا يمكن أن يؤديا إلى تناقض أو تعارض حقيقي في الغالب كما رأينا."
إن وقوع الاختلاف في هذا النوع من التفسير أمر مستفيض، ولقد قدمت نموذجين لذلك آنفًا، وسأحاول ها هنا استعراض الأسباب المؤدية إلى وقوع هذا النوع، وهو الذي أشار إليه شيخ الإسلام حيث قال:"وأما النوع الثاني من مستندي الاختلاف وهو ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل" [2] ، وهذا الاستدلال يقوم على الاجتهاد والتفكر والاستنباط ويكون مظهر الاختلاف ها هنا هو توصل المفسرين إلى آراء متباينة في معاني ودلالات النصوص القرآنية، ويمكن رد معظم الأخطاء الاجتهادية المفضية إلى هذا الاختلاف إلى جهتين اثنتين كما سأبين فيما يلي:
الصنف الأول: اعتقاد معنى ما وحمل ألفاظ القرآن الكريم عليه:
إن فريقًا من الذين عمدوا إلى آيات القرآن الكريم يفسرونها باجتهاداتهم قد أسرتهم اعتقادات ومعان فسلطوها على ألفاظ القرآن الكريم مراعاةً لما اعتقدوه ولم ينظروا إلى ما تستحقه الألفاظ القرآنية من الدلالة والبيان. وإن لازم اتباع هذا المنهج تعددُ التفاسير بتعدد الاعتقادات والأهواء والمذاهب الفاسدة، وإذا عُلم هذا لم يعد للتعجب من اختلاف التفاسير بالرأي مكان، بل كان محل العجب فيما لو اتفقت هذه التفاسير الهوائية في شيئ البتة! قال الشيخ الزرقاني رحمه الله في سياق كلامه على التفسير بالرأي المذموم:"ومنها - أي الأمور التي يجب البعد عنها في التفسير بالرأي - حمل كلام الله على المذاهب الفاسدة"
(1) مجموع الفتاوى - 178/ 13
(2) مجموع الفتاوى - 190/ 13