والخلاصة في هذا الصنف أن من أعظم أسبابه المعتقدات والبدع الباطلة التي حملت أصحابها على تحريف الكلم عن مواضعه ونسبة معانٍ غير مرادة لله عز وجل إلى كلامه وتسمية ذلك تفسيرًا، وإن الحقيقة البارزة في كل صاحب هوى أن هواه يهوي به في أودية الجهل والتيه فتسوغ له الافتئات على كلام الله تعالى عافانا الله من ذلك.
ومصدر الخلل عند هؤلاء أنهم نظروا إلى مجرد اللفظ ولم يراعوا سوى ما يمكن أن يكون مرادًا للفظ من جهة اللغة دون أن ينتبهوا إلى أن هذا اللفظ هو كلام الرب سبحانه وتعالى وأنه أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأنه خطاب للإنس والجن عامة، وإن عدم مراعاة هذه الاعتبارات قد يفضي إلى تفسير اللفظ القرآني تفسيرًا بعيدًا عن الصواب، يقول الإمام الشاطبي رحمه الله في سياق الكلام عن أهمية معرفة أسباب التنزيل مثلًا وكيف أنه ضروري لصيانة فهم القرآن الكريم:"الوجه الثاني وهو أن الجهل بأسباب التنزيل مُوقع في الشبه والإشكالات ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال حتى يقع الاختلاف وذلك مظنة وقوع النزاع"ثم ذكر ما رواه إبراهيم التميمي قال:"خلا عمر ذات يوم فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين إنا أُنزل علينا القرآن فقرأناه وعلمنا فيم نزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرأون القرآن ولا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأي فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا" [2] . ولعل مراعاة مقتضى الشرع في تفسير القرآن الكريم هي من جملة ما دعا به النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس في قوله:"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" [3]
وهكذا نكون قد استعرضنا أهم أسباب الاختلاف في التفسير بالرأي وقد تبين معنا أن هذا الاختلاف - على خلاف ما تقدم في التفسير بالمأثور - يعود في جملته إلى اختلاف
(1) مجموع الفتاوى - 191/ 13
(2) الموافقات - الشاطبي 202/ 3
(3) مسند الإمام أحمد