" [1] ، وقال شيخ الإسلام رحمه الله:"والمقصود أن مثل هؤلاء اعتقدوا رأيًا ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين لا في رأيهم ولا في تفسيرهم .." [2] ، وإذا أمعنّا النظر في هؤلاء وجدنا أن هذا الصنف من الاختلاف في التفسير ملازمٌ للبدع والأهواء؛ فما من فرقة مبتدعة أو صاحبة هوى إلا وحاولت ليَّ أعناق آيات القرآن الكريم إما لتستدل زورًا على صحة مذهبها، أو لتدفع - تلبيسًا منها - ظواهر الآيات التي تنقض أصول بدعتهم. وبناء عليه فإن الاختلاف في التفسير عند هؤلاء ناجم عن أمرين بيَّنهما ابن تيمية رحمه الله [3] وهما:"
1 -سلب اللفظ القرآني مما يدل عليه ويراد به: ومثال ذلك ما تقدم معنا في النموذج الثالث والرابع من نماذج الاختلاف في التفسير [4] ، حيث عمد المعطلة إلى سلب لفظ"استوى"ما يدل عليه من العلو وأوّلوه بالاستيلاء زورًا وبهتانًا انتصارًا لمذهبهم الفاسد في الصفات، وعمد المعتزلة إلى سلب لفظ"ناظرة"مما تدل عليه من الرؤية الحقيقية بالبصر كما هو مذهب أهل الحق فرارًا من مصادمة ظاهر الآية ومعناها الصحيح لمذهبهم في عدم جواز الرؤية في الآخرة. وإذا عُرف هذا تبين أنه كلما جاء صاحب مذهب وعقيدة فاسدة ليفسر آية من القرآن الكريم خرج لنا برأي وتفسير يوافق هواه وينتصر لرأيه، فيحصل الاختلاف في التفسير وهو هنا اختلاف حقيقي متناقض ومتعارض وليس اختلاف تنوع كالذي مر معنا في التفسير بالمأثور.
2 -تحميل اللفظ القرآني ما لا يدل عليه ولا يراد منه من معاني: وهذا أقبح من سابقه، فإن أصحاب الصنف السابق قد جرّدوا اللفظ القرآني مما يدل عليه وحاولوا أن يتأولوا له معنى قد يكون مستساغًا لغةً بوجهٍ من الوجوه مهما كان متعسفًا، أما أصحاب هذا الصنف فلم يكتفوا بذلك بل تجرأوا على إثبات معانٍ للفظ القرآني لا يدل عليها ولا يمكن أن يدل عليها لا من قريب ولا من بعيد، ولعل أوضح
(1) مناهل العرفان - الزرقاني - 49/ 2
(2) مجموع الفتاوى - 192/ 13
(3) راجع مجموع الفتاوى - 190 - 192/ 13
(4) راجع المطلب الثالث من المبحث الأول