فكان يخلو فيه ويتحنث به بدون غيره من المواضع؟
أجيب عن ذلك: بأن هذا الغار له فضل زائد على غيره من قِبَل أن يكون فيه منزويًا مجموعًا لتحنثه، وهو يبصر منه بيت ربه، والنظر إلى البيت عبادة، فكان فيه ثلاث عبادات، وهو الخلوة والتحنث والنظر إلى البيت. وجمْعُ هذه الثلاثة أولى من الاقتصار على بعضها دون بعض، وغيره من الأماكن ليس فيه ذلك المعنى، جمع له (في المبادئ كل حسنة. انتهى.
وقال ابن ظهيرة في الجامع اللطيف (1) بعد ذكر خصوصية هذا الموضع للعبادة التي قدمناه آنفًا: أقول: وفيما ذكر نظر؛ لأن غيره من الجبال يتأتى فيه ما ذكر من اجتماع العبادات [الثلاث] (2) ؛ كأبي قبيس مثلًا، ويزيد لقربه من البيت، فكان أولى أن يتعبد فيه، وإن كان المراد البعد من الناس ليخلو البال في التعبد، فالجبال البعيدة كثيرة، اللهم إلا أن يقال: أن الغار الذي بحراء مستقبل القبلة من غير انحراف وليس غيره كذلك، فله وجه، والأحسن أن يقال: أن جبل حراء متعبد أجداده (3) فاقتدى بهم في ذلك، والله الموفق. انتهى.
وقال القطب في الإعلام (4) : حِرَاء -بكسر الحاء وفتح الراء ممدودًا وممنوعًا- وكانت الجاهلية تعظّمه أيضًا وتذكره في أشعارها. فمن ذلك قول أبي طالب -عم النبي (-(5) :
(1) (ص: 342 - 343) .
(2) في الأصل: الثلاثة. والتصويب من الجامع اللطيف (ص: 342) .
(3) لم يذكر ابن ظهيرة دليلًا على ذلك فلا حجة في قوله.
(4) (ص:447) .
(5) في قصيدته اللامية الشهيرة، وهي تعتبر من غُرر الشعر العربي، قال ابن كثير: إنها قصيدة عظيمة بليغة جدًا. وفيها يقول مادحًا النبي - صلى الله عليه وسلم:
وأبيضُ يُستسقى الغمامُ بوجهه ... ثمالُ اليتامى عصمةٌ للأرامل
انظر: ديوان أبي طالب (ص:71، 191) .