سرقت عفتي.. فأصبحت ذليلة النفس ، حزينة القلب، أستثقل الحياة وأستبطئ الأجل، وأي لذة في العيش لامرأة لا تستطيع أن تكون زوجة لرجل ولا أمًا لولد، بل لا تستطيع أن تعيش في مجتمع من المجتمعات البشرية، وإلا وهي خافضة رأسها مسبلة جفنها، واضعة خدها على كفها، ترتعد أوصالها، وتذوب أحشاؤها، خوفًا من عبث العابثين وتهكم المتهكمين.
سلبتني راحتي.. لأنني أصبحت مضطرة بعد تلك الحادثة إلى الفرار من ذلك القصر الذي كنت منعمة فيه بعشرة أمي وأبي، تاركة ورائي تلك النعمة الواسعة ، وذلك العيش الرغد إلى منزل صغير ، في حي مهجور لا يعرفه أحد ولا يطرق بابه، لأقضي فيه الصبابة الباقية لي من أيام حياتي.
قتلت أمي وأبي.. فقد علمت انهما ماتا، وما أحسب موتهما إلا حزنًا لفقدي ويأسًا من لقائي..
قتلتني..لأن ذلك العيش المر الذي شربته من كأسك ؛ والهم الطويل الذي عالجته بسببك قد بلغا مبلغهما من جسمي ونفسي، فأصبحت في فراش الموت كالذبابة المحترقة تتلاشى نفسًا في نفس0
فأنت كاذب خادع ، ولص قاتل، ولا أحسب أن الله تاركك دون أن يأخذ لي بحقي منك0
ما كتبت إليك هذا الكتاب لأجدد عهدًا، ولا أخطب إليك ودًا فأنت أهون علي من ذلك.
إنني قد أصبحت على باب القبر وفي موقف وداع الحياة بأجمعها، خيرها وشرها، سعادتها وشقائها ، فلا أمل لي في ود، ولا متسع لعهد، إني كتبت إليك لأن عندي لك وديعة، وهي تلك فتاتك،فإن كان الذي ذهب بالرحمة من قلبك، أبقى لك منها رحمة الأبوة ، فأقبل إليها فخذها إليك، حتى لا يدركها من الشقاء ما أدرك أمها من قبلها.."اهـ."
حقًا إنها كلمات حزينة جدًا، وزاد من تأثيرها أن عبر عنها صاحبها وكشف خبيئة وجدانه.. ولذا كان أصدق من أن يعبر عنها أحد بقلمه.
إن هذه القصة ومثيلاتها هي وليدة التفكك الذي نعيش فيه ، فكان نتاجه أن أفرز تلك النوعية من المشكلات التي يحتاج حلها وقتا طويلا..