"... ولا تحسب أن قوله تعالى: ( إنِّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ . وإنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) ؛ مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط ... بل في دورهم الثلاثة هم كذلك -أعني دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار- فهؤلاء في نعيم وهؤلاء في جحيم وهل النعيم إلا نعيم القلب وهل العذاب إلا عذاب القلب؟ وأي عذاب أشد من الخوف والهم والحزن وضيق الصدر وإعراضه عن الله والدار الآخرة وتعلقه بغير الله وانقطاعه عن الله بكل واد منه شعبة وكل من تعلق به وأحبه من دون الله يسومه سوء العذاب 0"
فكل من أحب شيء غير الله عذب به ثلاث مرات في هذه الدار؛ فهو يعذب به قبل حصوله حتى يحصل ، فإذا حصل عذب به حال حصوله بالخوف من سلبه وفواته والتنغيص والتنكيد عليه وأنواع من العذاب في هذه المعارضات ، فإذا سلبه اشتد عليه عذابه فهذه ثلاثة أنواع من العذاب في هذه الدار .
وأما في البرزخ -القبر - فعذاب يقارنه ألم الفراق الذي لا يرجو عوده وألم فوات ما فاته من النعيم العظيم باشتغاله بضده، وألم الحجاب عن الله وألم الحسرة التي تقطع الأكباد فالهمّ والغم والحسرة والحزن تعمل في نفوسهم نظير ما يعمل الهوام والديدان بأبدانهم بل عملها في النفوس دائم مستمر حتى يردها الله إلى أجسادها فحينئذ ينتقل العذاب إلى نوع هو أدهى وأمرّ؛ فأين هذا من نعيم من يرقص قلبه طربًا وفرحًا وأنسًا بربه واشتياقا إليه وارتياحًا بحبه وطمأنينة بذكره ، حتى يقول بعضهم حال نزعه: واطرباه .
ويقول الآخر: إن كان أهل الجنة في مثل هذه الحال إنهم لفي عيش طيب .
ويقول الآخر: مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا لذيذ العيش فيها ، وما ذاقوا أطيب ما فيها .
ويقول الآخر: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف .
ويقول الآخر: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة (2) 0
تذكر الرحيل00