فأقول: إن زمن الصحابة لا يستغرب أن يوجد فيه خير من هذه الصور، وقد وجد، لأنهم تربّوا على يد خير البرية محمد صلى الله عليه وسلم، فالتزموا أوامره، وسارعوا إلى تطبيقها، فنالوا بذلك أعلى المنازل وأرفع الدرجات، ولكن الذي يُستغرب أن توجد هذه الأخلاق في أهل الجاهلية الذين لا دين لهم.
فمن أجل ذلك أوردت هذه الصور، حتى يعرف المتأمل النبيه ما وصل إليه حالنا.
"كان الشنفري- وهو أحد شعراء الجاهلية- يمدح زوجته أميمة، ويفتخر بحيائها وعفتها.. فيقول:"
لقد أعجبتني لا سقوطًا قناعها
إذا ما مشت ولا بذات تلفّتِ
تحل بمنجاة من اللوم بيتها
إذا ما بيوت بالمذمة حُلّتِ
كأن لها في الأرض نسيًا تقصه
على أمها وإن تُكلّمك تبْلتِ
أميمة لا يخزى ثناها حليلها
إذا ذكر النسوان عفّت وجلّتِ
إذا هو أمسى آب قرة عينه
مآب السعيد لم يسل أين ظلّتِ
فصاحبته وقور خجول، لا يسقط قناعها في أثناء سيرها،ولا تلتفت حولها، وقد حصنت بيتها عن كل لوم أو ذم يلحقها، وهي شديدة الحياء، ومن أجل ذلك لا ترفع رأسها عن الأرض في سيرها، حتى ليظن من يبصرها أنها تبحث عن شيء ضاع منها.
وإذا اعترضها شخص وكلَّمها أوجزت ومضت لقصدها وغرضها، وإن الحديث العطر عنها ليملأ زوجها زهوًا وخيلاء.
إنها مثال العفة والجلال، وإنه ليرفعها عن كل شك وتهمة، فإذا أمسى وعاد إليها من المرعى أو بعد رحلته الطويلة عاد قرير العين بها سعيدًا، فلا يسألها أين كانت لأنها موضع ثقته" (1) ."
ومما يدل على عفة نساء العرب في الجاهلية، وتَرَفُّعِهِنَّ عن أخلاق الرذيلة، وخوفهن من أن يلحق بهن العار؛تلك القصة التي حدثت لهند بنت عتبة-قبل إسلامها-:
(1) "تاريخ الأدب الجاهلي"د. شوقي ضيف (ص 74،75)