قال تعالى: (فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله) .
الإخوة الأحباب: روت كتب التاريخ من قصص المسلمين في الأندلس أنه على راس أربعمائة سنة من فتح الأندلس وعمارتها الزاهرة بحضارة الإسلام اجتمع النصارى على المسلمين ووحدوا قواهم وأجلوهم عن كثير من بلاد الأندلس وحاصروا أبرز حواضرها إمارة قرطبة وتجهزوا للمعركة الفاصلة التي ستقرر إما الإسلام في الأندلس وإما يعلو الصليب.
وكان أمير قرطبة ابن عباد فارس وشاعر وأديب مشهور ومن عقلاء من ملك الأندلس .. فجمع أهل الشورى عنده يستشيرهم بالاستنصار بدولة المرابطين في المغرب وشمال أفريقيا وكان أمير المؤمنين فيها الملك الصالح المجاهد يوسف بن تاشفين. فاشار على ابن عباد غالب حاشيته بأن لا يدعوهم، لأنهم أي المرابطين سيأتون من بلاد فقيرة صحراوية فإذا شاهدوا الأندلس وما فيها من النعيم، دفعوا النصارى ثم استلبوا ملك بني عباد وسيطروا على الأندلس وضموها لمملكتهم، وأنه أولى له يصالح النصارى ويرضيهم من أن يعرض ملكه للزوال على يد المرابطين وإن كانوا مسلمين .. فسمع من الحاضرين ثم قال لهم أتفكر الليلة وأرى أمري .. ثم جمعهم في اليوم التالي فقالوا له ما رأيت أيها الأمير، قال تفكرت في أمرنا ورأيت أنه"رعي الإبل ولا رعي الخنازير"وذهبت من بعده هذه الكلمة مثلًا. قال رعي الإبل ولا رعي الخنازير، أي لإن يأخذني المرابطون عبدًا إن سلبوا ملكي فأقصى ما يصيبني أن أرعى الإبل عبدًا عند المسلمين، ولا يأخذني النصارى إن سلبوا ملكي فأكون عبدًا عندهم أرعى الخنازير لأهل الصليب .. فالعقل والدين فعلا أن يكون رعي الإبل أولى من رعي الخنازير.
فأقول لإخواننا هنا ممن لا يرون القتال مع الطالبان ويثيرون الشبه التي ذكرت. نحن هنا في أفغانستان في دولة تحكمها الشريعة ومع قوم مسلمين على ما فيهم مما ذكرت ولإن زالت دولتهم وجاء خصومهم حلفاء النظام العالمي فإما التصفية وإما الإخراج والتشرذم في الأرض حيث ما جربنا من المهاجر عند حكومات المرتدين الذين يهددوننا صباح مساء أو لاجئين في ديار النصارى.
فهل يستوي أن نكون في أسوأ حال مع مسلمين فيهم من البدع ما نرى، نجاهد معهم الكفار ونعيش في جوارهم ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ما استطعنا ونعد لجهادنا أو نهاجر بديننا. مع أن نكون عند من يقولون الأب والإبن والروح القدس، أي الرب هو الأب وعيسى الابن وجبريل هو الروح القدس ثلاثة توحدوا وكونوا إلهًا يعبد عبر الصليب. تعالى اله عما يقولون علوًا كبيرًا. مهددين عندهم بالاعتقال ومهدد أولادنا وأسرنا بالفتنة، وتجري علينا أحكام الكفر وسلطانه وغير ذلك من البلاء كثير وكثير .. فلا والله لا يستوي هذا بهذا فرعي الإبل ولا رعي الخنازير ..
وتقول الرواية التاريخية: أن ابن عباد استنصر بابن تاشفين وكان ملكًا مجاهدًا قد جاوز التسعين من العمر وكان يأمر جنده أن يربطوه على الخيل حتى لا يسقط لهرمه. واجتمع جند المغرب من المرابطين وجند الأندلس وكانت معركة (الزلاقة) المشورة .. ونصر الله أهل الإسلام وفرق جيوش الصليب ومد في عمر الإسلام في الأندلس أربعمائة سنة أخرى .. وانسحب ابن تاشفين من ساحة المعركة مقسمًا على جنده ألا يأخذوا معهم من الغنائم شيئًا .. وهذه كانت عاقبة من فكر بهدي من دينه وعقله فقال رعي الإبل ولا رعي الخنازير. وتتابع صفحات تاريخ الأندلس تروي لنا .. كيف آل الملك في آخر ممالك الأندلس غرناطة لبني الأحمر وكان آخر ملوكها المسمى أبو عبد الله الصغير، الذي أقبل والمسلمون في الأندلس على الدنيا وما فيها وقعدوا عن الجهاد وأداء حق الله .. فأحاطت بهم جيوش النصارى وصالحهم على أن يسلمهم المدينة ويخرج بذهبه ونسائه وجواريه وحاشيته مغادرًا الأندلس على أن يحفظوا حقوق من بقى من أهل الإسلام، فقبلوا. ودخلوا المدينة واستباحوها وسجل التاريخ ما يبكي القلب دمًا مما حل بأهل الإسلام بعد ذلك .. أما شاهدنا من القصة فهو أن أبا عبد الله الصغير هذا لما ركب المركب في النهر مغادرًا ومعه أمه العجوز التي شهدت الحياة وما مر من عبرها والممالك وما صار من حالها فرأته ينظر إلى الأندلس والمركب يبتعد مغادرًا وهو يبكي فقالت له قولتها المشهورة:
ابك كالنساء ملكاًَ ... لم تحافظ عليه مثل الرجال.
فأقول لإخواني ثبتهم الله على الحق وأرانا وإياهم دربه وأعاننا على نصرته .. أقول لا سمح الله ولا قدر لإن قدر الله أن تزول هذه الدولة ويأتي أولئك الأنجاس ويقوم مشروع الأمم المتحدة والنظم العالمي الجديد، فستخرجون إلى مهاجر الذل والخوف والجوع في بلاد الأرض لا تلوون على شيء، وعندها تذكروا قول أم عبد الله الصغير: ... ابك كالنساء ملكًا ... لم تحافظ عليه مثل الرجال
سنبكي عندها أفغانستان وما كان فيها من الأمن والعز ملكًا لم نحافظ عليه مثل الرجال، وأسأل الله أن لا يقع هذا الملك وهذه النعمة ونحافظ عليها مثل الرجال تقبل الله منا ومنكم.
وأما نحن وبالله التوفيق، فهدينا في كتاب الله تعالى (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) .. وقوله تعالى (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا) .
وأسوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. دعى لدين الله وصبر حيث الصبر، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وراعى جهل الجاهلين وحداثة عهد قوم بالإسلام، وساس أمته بأحكم شرع وأعقل حكم وفهم للواقع وهو القائل:"أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم"صلى الله عليه وسلم ثم خلف الراشدون فكانوا كذلك إلى أن جاء سلفنا الصالح .. فكان منهم أئمة الإسلام العاملين.