ثانيًا: أنه قد برز في التيار الجهادي كما في كثير من مدارس الصحوة الإسلامية المختلفة. حيث تصدر للفتوى والقول بالحلال والحرام نفر قد أعرف كثيرًا منهم وعايشت بعضهم ومنهم من تسموا طلبة علم شرعي ولبسوا ما يناسب ذلك من الملبس وصعد بعضهم منابر الجمعة والخطابة واعتموا بعمامة العلماء ولبسوا البشت السعودي وقالوا ها نحن المفتين أصحاب العلم الشرعي. فبعضهم قد حصل شيئًا من العلم الشرعي وبعضهم أقل من ذلك، إلى نوع لا علم عندهم ولكنهم لندرة بل شبه انعدام المراجع الشرعية في التيار الجهادي والوسط الإسلامي الحركي عمومًا وهذا الحال يعرفه الجميع .. فإن معظم الشباب اتخذوا منهم رؤوسًا شرعيين يرجع إليهم. وكان يجب عليهم أيضًا أن يقولوا عن أنفسهم ما قلت عن نفسي، كان يجب أن يقولوا نحن لسنا مشايخ ولا أصحاب علم شرعي، ولكنهم نسبوا لأنفسهم العكس، فإذا كنت قلت وما زلت أقول عن نفسي أنا لست صاحب اختصاص في العلم شرعي حرصًا مني ولله الحمد، فواقع الحال أن جل من أعرف ممن نصبوا أنفسهم لهذا المكان أو نصبهم من حولهم أجدر بهذه المقولة نعم وبكل صراحة، ليس عندهم علم شرعي .. قراءة بعض الكتب وطلب العلم لسنتين أو ثلاثة والسماع لفترة على بعض المشايخ والدروس في حدود علمي وفهمي وحسب ما قرأت من شروط من ينسب للعلم الشرعي لا تجعل هؤلاء يسمون أصحاب اختصاص وعلم شرعي ..
فقد ذكر الإمام ابن القيم في كتابه النفيس أعلام الموقعين عن رب العالمين في الجزء الاول الصفحة 44 في فصل (كلام الأئمة في أدوات الفتية وشروطها ومن ينبغي له أن يفتي) ثم قال:
قال الإمام أحمد في رواية ابنه صالح عنه: ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالمًا بوجوه القرآن، عالمًا بالأسانيد الصحيحة، عالمًا بالسنن وإنما جاء خلاف من خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها ( .. ) .
وقال في رواية أبي الحارث: لا يجوز الإفتاء إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة. وقال في رواية حنبل: ينبغي لمن أفتى أن يكون عالمًا بقول من تقدم وإلا لا يفتي. وقال محمد بن عبد الله بن المنادي: سمعت رجلًا يسال أحمد: إذا حفظ الرجل مائة ألف حديث يكون فقيهًا؟ قال لا. قال فمائتي ألف؟ قال لا. قال فثلاثمائة ألف؟ قال لا. قال فأربعمائة ألف. قال بيده هكذا وحرك يده. (أي يعني تقريبًا أو ممكن على تردد) . وفي صفحة 46. قال ابن القيم عن شروط الإفتاء عند الشافعي رحمه الله. قال الشافعي فيما رواه عنه الخطيب في كتاب الفقيه والمتفقه له: لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلا عارفًا بكتاب الله بناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه وتأويله وتنزيله ومكيه ومدنيه وما أريد به. ويكون بعد ذلك بصيرًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن ويكون بصيرًا باللغة. بصيرًا بالشعر وما يحتاج إليه للسنة والقرآن. ويستعمل هذا مع الإنصاف. ويكون بعد هذا مشرفًا على اختلاف أهل الأمصار. تكون له قريحة بعد هذا. فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي ..
ثم قال: وقال على بن شفيق لابن المبارك متى يفتي الرجل؟ قال إذا كان عالمًا بالأثر بصيرًا بالرأي. وقيل ليحيي ابن أكتم: متى يجب للرجل أن يفتي؟ فقال إذا كان بصيرًا بالرأي بصيرًا بالأثر.
قال ابن القيم عن هذا:"قلت يريدان بالرأي القياس الصحيح والمعاني والعلل الصحيحة التي علق الشارع بها الأحكام وجعلها مؤثرة فيها طردًا وعكسًا). انتهى. واكتفى من أقول العلماء بهذه الموازين ولكل عاقل يسمع كلامي هذا ويعرف حال الحركة الإسلامية عمومًا والجماعات الجهادية ومن صدروا أنفسهم أو صدرهم الأتباع الجهال للفتوى والقول على الله بالحلال والحرام. أن يقيسوا هذا بالمصائب والبلاوي التي عندنا .. فإلى الله المشتكى .."
فالحمد لله أني لست مفتيًا والحمد لله الذي عرفني نفسي ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه وعرف حده فوقف عنده. أما الذين أوبقوا أنفسهم وزعموا أنهم عندهم علم جلسوا للفتوى وتصدروا حلقات العوام والجهال فمشكلتهم ليست معي، ولا مع الناس، مشكلتهم مع ربهم (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة) نعوذ بالله من الخذلان ولقد قرأت فيما قرأت أن الإمام مالك سئل في أحد مجالسه عن ثمان وأربعين مسألة فأجاب في ستة عشر وقال في اثنتي وثلاثين لا أعلم. فقام له رجل فقال يا إمام ضربنا إليك أكباد الإبل وقطعنا البلاد لنسألك، فماذا تقول الناس إن عدنا إليهم؟ قال مالك رحمه الله: قولوا لهم أتينا مالكًا فسألناه فقال لا أعلم.
وأقول شاهدًا لله أني رأيت في هؤلاء المنسوبين للفتيا والعلم الشرعي من بعض فقهاء الجهاديين في لندن من يسأل في عشر مسائل فيجيب في ثلاثين مسألة، ما سئل عنه ثم ما فرغ هو نفسه من المسائل .. فإذا تورط سائل وسأله فتح على سائله شلالًا من الإجابات في حلقات العلم العظيم، وهكذا خرجت فتاوى قتل النساء والأطفال من أسر العاملين مع الدولة والمدافعين عنها، وتجويز السبي في نساء العاملين مع الحكومات من المسلمين. وتكفير وتبديع وتفسيق من يستأهل ومن لا يستأهل .. وحكم بقتل المبتدعة ممن تلبسوا ببعض الزلل في الحركة الإسلامية أو ظن بهم ذلك، وحكم على الخوارج الشذاذ في الجزائر بأنهم حمله راية أهل السنة وحكم على بعض منشوراتهم المنحرفة مثل كتاب هداية رب العالمين الذي كتبوه، بأنه منهج السلف وعقيدة السلف وروح السلف ونفس السلف .. وفي مجلس في أحد مساجد مدينة ما نشيستر عقد بعض الإخوة مؤتمرًا دُعى له أحد فقهاء لندن الكبار هؤلاء - واللقاء مسجل- فسأل سؤالًا فأفتى في رشة واحدة بأن البيعات في جماعات الجهاد اليوم ليست صحيحة لأنها بيعة على الجهاد فقط والأصل في هذه البيعات أن تكون على الأمامة العامة! ثم زاد: ولهم أن يطبقوا الحدود داخل الجماعة بين أفرادهم .. ثم زاد ولأمير الجماعة ان يشترط على من يبايعه انه إن خرج عليه و ترك الجماعة حل له دمه. ثم زاد وإذا وجد جماعة لجهاد في بلد ما فهي الشرعية فإذا قام غيرها فهي غير شرعية ليست شرعية ولهم السيف. هذا بعض ما اذكره.