ولكن الصورة تتعقد كثيرًا في الدول العميلة ذات الوزن الثقيل اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا واستراتيجيًا حيث أن أولئك العملاء وبحسب طموحاتهم ومبادئهم يكون لهم طموحات وأغراض تزيد من متطلباتهم ورغباتهم في السيادة والسيطرة. ويزيد الأمر تعقيدًا أمام الدولة السيد وجود صراعات على السلطة داخل الأسر والأحزاب والكتل الحاكمة نفسها كما في السعودية نفسها مثلًا أو بين أكثر من حزب وتكتل عميل كل واحد يحاول إقناع السيد بجدوى خدماته وحسن تلميعه لأحذيتهم أكثر من منافسه .. وتتشابك عوامل أخرى معقدة من طبيعة النظام السياسي والدستوري في تلك البلد. هل هي قريبة من النموذج الديمقراطي أم ديكتاتورية عسكرية أم عائلة مالكة أم محمية أجنبية مستعمرة بصورة مباشرة .. إلى آخر ذلك. كما يعقد الموضوع صراع الدول العميلة في مستوى الإقليم ذاته. وتحاول الدولة السيد من خلال امتلاكها لمعظم أوراق بقاء عميل أو ذهابه وقدرتها على إسقاطه أو استبداله إما بالخداع والحيل والانقلابات السياسية أو العسكرية وإما إن عجزت بالتصفية الجسدية المباشرة كما فعلت مع ضاء الحق مثلًا .. أما العميل فيحاول الإمساك بخيوط موازنات كثيرة للخروج من شبكة العنكبوت هذه والفكاك من أذرع الأخطبوط التي تمسكه وتسيره اللهم إلا إذا كان قد عشق هذه الأذرع وألفها أبًا عن جد كما حال ما ذكرنا من آل مكبوس في الخليج .. فهذه الحكومات العميلة تلعب وإن كان من منطلق ضعيف مع السيد نفس لعبته. فكما أن هناك عملاء يصطفون في الطابور ينتظرون دورهم بأداء الخدمات. فهناك دول سيدة عديدة تتنافس فيما بينها على تجميع أكبر كمية من الخدم والاتباع يدورون في فلكها لتكبر حصتها من نهب الموارد وفتح الأسواق لمنتوجاتها ولتأثيراتها الثقافية والأيديولجية والعقدية .. فأحيانًا يهدد العميل سيده ويضغط عليه بالانتقال لسيد آخر .. وهذا يختلف من حال السياسة الدولية هل هناك قطبين أو أكثر أم أنه كما هو الحال الآن حلت في الأرض لعنة مرحلة النظام أحادي القطب .. ولا أريد هنا الخروج عن الموضوع وقد أطلت قليلًا لوضع أساس لمساعدة من يبحث في هذه الشبهة على فهم قضية عمالة الباكستان. لأنه بدون حد أدنى من الفهم السياسي سيتعسر فهم القضية على وجهها الصحيح كما هو الحال لدى الغالبية الساحقة.
فإذا جئنا للباكستان فإننا نجدها حكومة عميلة لأمريكا. وفيها عدد من الأحزاب والتكتلات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية. كلهم بالإجمال عملاء وكلهم يحاولون إرضاء أمريكا بنسب تزيد أو تنقص. ولكن قطعًا وأظن أن هذا واضح لم يكن حال ضياء الحق كحال بنزير بوتو مثلًا .. وهامش كل واحد واستعداده للعمالة مختلف .. والعالم بأوضاع باكستان يعرف أن هناك ثوابت في المصلحة القومية العليا لا يستطيع العميل الحاكم التنازل عنها واللعب بها لأن مكونات الدولة أمام الشعب الباكستاني تتهدد ويطاح بمن يلعب في هذه المجالات ..
فمكونات الباكستان الأساسية في السياسة هي الشعور القومي والوطنية الباكستانية وهي حادة ومرتفعة جدًا في باكستان على مستوى الشعب وعلى مستوى السياسيين. وثانيًا الهوية الإسلامية لدى الشعب خاصة فقد قامت الباكستان أصلًا وانفصلت عن الهند على أساس هذه الهوية .. وثالثًا التبعية للغرب ولا سيما بريطانيا وأمريكا التي ورثت ميراثها الاستعماري .. وهذا مستساغ لدى هذا الشعب المأسور ثقافيًا للانكليز ومن بعده للأمريكان وأساسي في التكوين العقلي لمعظم الساسة الباكستانيين، فالكل مسلّم ان باكستان هي حصة أمريكا في مجالات النفوذ وقد بقي شيء زهيد من كعكتها لبريطانيا ولا سيما في مجال التأثير الثقافي والحضاري ..
وتأتي قضية الصراع مع الهند كثابت من ثوابت أي سياسي باكستاني ولا يستطيع أحد منهم أن يلعب به وإلا تهدد مصيره ومصير حزبه وكتلته السياسية .. ومن آخر الأدلة وضوحًا على هذا تمرد حكومة باكستان على الإدارة الأمريكية والسير قدمًا في مجال التفجيرات النووية. لأنها طبقت قاعدة ضياء الحق"باكستان أولًا"وقد علق الساسة الغربيون بأنه ليس هناك حكومة في باكستان تستطيع أن لا تجري هذه التفجيرات بعد أن أجرتها الهند ..
وفي باكستان كتل من السياسيين ثم كتلة الجيش ثم الاستخبارات العسكرية وهذا الثالوث هو الذي يحكم باكستان ويتبادل أو يتقاسم مواقع القوى .. ورغم كل محاولات الإفساد فلا يزال كثير من ضباط الجيش والاستخبارات العسكرية متأثرة بالعامل الديني عاطفيًا كشعور بالانتماء للإسلام وهويته في مواجهة الهندوس في الهند، ورغم أن مفهوم الدين والإسلام عمومًا لدى كل هؤلاء علماني محض إلا أن تأثيره العاطفي موجود ولتشابكه مع الشعور الوطني القومي الباكستاني صار عاملًا مهمًا وهامشًا لا يمكن إلغاؤه على سبيل إرضاء السيد الأمريكي ولأن السيد يفهم هذه الأمور فإنه يحاول أن لا يثير التابع العميل ويضطره إلى التصادم معه طالمًا أن مصالحه الأساسية مصانة محفوظة وشلال النهب يتدفق والأسواق مفتوحة لنهب المتبقي من المخزون القومي والخطوط الحمر لمصالحه في المنطقة لم تتجاوز ..
ولقد عبّر ضياء الحق عن هذا لما تصادمت مصالح السيد ورغبته مع مصالح العميل مدير الأعمال قال قولته المشهورة في خطاب سياسي له"باكستان أولًا ثم أمريكا"ويبدو أن هذا بالإضافة لمسألة افغانستان سبب قتله على يد السيد الأمريكي نفسه واستبداله لأن الخطوط الحمراء قد عبرت بشكل غير مقبول من العم سام.
الآن نأتي للموضوع، باكستان وأمريكا والطالبان وقضية أفغانستان ..
وموضوع باكستان مع القضية الأفغانية يطول ويحتاج لكتاب وحده وهو لازم كي نفهم موضوع الطالبان ولكن أجد أن لابد لي من الاختصار والاعتماد على فهم معظم الإخوة لهذا الأمر وهذا ما هو مفترض على الأقل.
-أفغانستان تشكل بعدًا هامًا في الأمن القومي للباكستان في مواجهة خصمين أقليميين نويين وهما الهند ثم إيران. وقد لعبت باكستان ورقتها هذه ونظمت عدم تصادم مصالحها فيها مع المصالح الأمريكية طوال أيام الجهاد الأفغاني وقد تعرض هذا التوازن لعدة أزمات أودت أحداها بالرئيس ضياء الحق لتقديمه المصلحة الباكستانية على الامريكية.