الصفحة 58 من 70

-كما ذكرت ولدت الطالبان بشكل عفوي في وقت كانت باكستان قد خسرت حكمتيار الذي خرج على سياستها وقرر اللعب لحسابه واصطلح مع رباني حليف المثلث المعادي لباكستان وهو (الهند - إيران - روسيا) فكان أمام باكستان فرصة ذهبية وهي تبني لاعب جديد يمكن أن يعدل هذه الخسارة. فدعمت طالبان بقوة.

-لم يكن لدى أمريكا كبير مشكلة في البداية بظهور لاعب ثامن من الممكن استيعابه عبر الباكستان.

-المفاجأة التي حصلت للباكستان ولأمريكا تتجلى في نقطتين لم تحلا بعد وأظن أنهما سيؤديان لانفجار كل هذا التوازن الأقليمي كما سأوضح ذلك في آخر هذه الفقرة، وهاتين المفاجأتين هما:

1 -أن هذا البيدق الثامن أعني الطالبان تدحرج نتيجة الظروف الداخلية وأكل جميع البيادق وصار لاعبًا وحيدًا تقريبًا في الساحة الأفغانية أو لنقل اللاعب الأقوى بشكل ساحق ..

2 -عودة المجاهدين الأفغان العرب إلى أفغانستان ومنهم الشيخ اسامة بن لادن وتأتي اهميته من كونه قرر اللعب في ساحة الجزيرة حيث النفط وهو الهامش المقدس للأمريكان. وعقّد الأمر قيام حلف جوار متين بين هؤلاء العرب الذين يستمرون أو يعدون لاستمرار الإرهاب ضد امريكا وعملائها وبين الطالبان. وبسبب هاتين المشكلتين بدأت سياسة أمريكا تتضارب مع المصلحة القومية الباكستانية في مسألة الطالبان وأفغانستان

-فقد حاولت أمريكا استيعاب الطالبان عن طريق باكستان والسعودية والصبر لإفسادهم مع الوقت عن طريق لعبة الأحزاب .. المال والمصالح والتوازنات العرقية والقبلية والوصاية السعودية الباكستانية ولكن التهديد السريع والحظر للإرهابيين العرب حسب مسمياتها لا يسمح بالوقت والصبر اللازم فصار من الضروري لأمريكا إزالة الطالبان من أجل إزالة التهديد باستئناف الإرهاب نشاطه. وباهتزاز التوازن في آسيا الوسطى لصالح قيام حركات إسلامية جهادية تعتبرها واشنطن متطرفة والمصيبة أنها في الملعب الأمريكي الثاني في الأهمية بعد الخليج ولنفس السبب (النفط) وهو آسيا الوسطى ونفطها الذي ورثته أمريكا من روسيا فأكبر غنيمة من نصرها الذي تم بلا حرب بعد حرب أفغانستان.

ولكن مشكلة الباكستان لتنفيذ هذه الرغبة الأمريكية معقدة جدًا ..

1 -فمن ناحية فإن الخصم البديل للطالبان هم الأحزاب وعلى رأسهم رباني - مسعود - ودوستم - سياف هم حلفاء الهند .. ولا يمكن لباكستان أن يضحي بحليف معها وهو الطالبان ليخلفه خصم يحالف الهند.

2 -ومن ناحية ثانية فإن التيارات الدينية والعلمية المنتشرة في باكستان والتداخل العضوي بينها وبين حركة طالبان تعتبر خطرة جدًا على حكومة باكستان لو تصادمت باكستان علنًا مع طالبان لصالح السيد الأمريكي.

3 -من ناحية ثالثة فإن باكستان تعلم ثمن المواجهة مع الحركات الجهادية المسلحة بشكل سافر فقد جربت ذلك بالرسالة المدوية التي تلقتها من جماعة الجهاد في مصر بنسف سفارة مصر عن بكرة أبيها في إسلام أباد لأن حكومة هذه الأخيرة سلمت القاهرة ثلاثة من عناصرها .. والوسط الشعبي اليوم في باكستان مؤيد جدًا للطالبان متفاعل جدًا مع الحركات الجهادية العربية ولا سيما بعد الشعبية الهامة التي حققها بن لادن في أوساط الشعب الباكستاني الذي ارتفعت فيه جدًا حدة الحقد على أمريكا .. فالحكومة في إسلام أباد تعلم تمامًا خطر الإنسياق وراء التوجهات الأمريكية لمواجهة الطالبان وحلفائهم المجاهدين الأفغان العرب. اليوم ..

ولكن ونظرًا لأن تركيبة حكومة باكستان السياسية والعسكرية والاستخباراتية معقدة فما يزال السيد الأمريكي يجد من يخدمه بإخلاص ويجد من يتريث لصالح الأمن القومي الباكستاني ويجد من هو متعاطف تمامًا مع الطالبان والإرهابيين العرب وغيرهم من الحركات الإسلامية .. وفي ظني فإن السياسة الأمريكية الحمقاء دائمًا كما ثبت منذ خرجت بعد الحرب العالمية الثانية للملعب الدولي تواجه ازمة حقيقية في باكستان وأفغانستان وقريبًا في آسيا الوسطى ..

فخلاصة الأمر بإيجاز بعد هذا الإسهاب اللازم من أجل فهم شيء من المسألة:

1 -أن الباكستان دعمت الطالبان لمصحلتها القومية في المنطقة والصراع الأقليمي.

2 -كبرت طالبان وخرجت عن تصورات الساسة الباكستانيين ولم يعد بإمكانها تقليمها بل هي تعاني اليوم من معاملة الأفغان لهم بطريقة الند المستقل وهذا سبب أكثر من أزمة بين طالبان وباكستان وصلت في بعض الأحيان للصدام المسلح المحدود على المناطق الحدودية ولإغلاق بعد الحدود لفترات محدودة. ولكن الطرفين الباكستان والطالبان استوعبا بسرعة حاجة كل واحد منهما للآخر وأهميته له.

3 -أمريكا تضغط اليوم على باكستان من أجل الضغط على طالبان ولكن إمكانياتها محدودة نتيجة التصادم مع قضية الأمن القومي ونتيجة وجود تأييد كبير في الشارع الإسلامي الباكستاني لطالبان ونتيجة لوجود طيبين كثر أصحاب عواطف إسلامية وسط الجيش ووسط الاستخبارات الباكستانية لا يخلصون لأمريكا كالآخرين. وأما إثبات أن أمريكا معادية للطالبان فإثباته بحاجة لشرح نعرض منه اختصارًا ولكن يكفي الإشارات الواضحة.

1 -لقد عرضت أمريكا عبر السعودية على الطالبان ما تشتهي من الاعتراف الدولي وكرسي الأمم المتحدة وعضوية المؤتمر الإسلامي وأموال طائلة ومساعدات من أجل مشكلة بن لادن والأفغان العرب ولم تجد أي استجابة بل على العكس وجدت الإصرار والتحدي لاسباب مبدئية.

2 -لقد ضربت أمريكا أفغانستان بالكروز وهددتها بالنووي والجرثومي من أجل ذلك.

3 -انضمت أمريكا لإيران في تحالف استراتيجي إقليمي علني ودعمتها سياسيًا ودوليًا وإعلاميًا في تهديدها للحدود الأفغانية.

4 -تدعم أمريكا وإسرائيل اليوم علنًا أحزاب المعارضة وتقدم السلاح مباشرة من تركيا لدوستم وتدفع فواتير الاتحاد السوفيتي البائد في دعم الأحزاب. فإن كان ثمة مجال للاشتباه السطحي سابقًا لعلاقة بين طالبان وأمريكا فهذه الشبهة ساقطة اليوم أمام أهل البصر والبصيرة. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت