أولًا: أما أن أمريكا والغرب واليهود تود إشعال حرب سنية شيعية تأكل قوة المسلمين داخليًا وتشغلهم بحرب طويلة لن تحل مشكلة ما حُلّت عبر أكثر من ألف سنة وهي مشكلة تستند لإمداد عقدي ونفسي وتاريخي يمكن أن يطيل بأمدها جدًا، وهي لا تحل مشاكل المسلمين وإنما تحل مشاكل الصليبيين واليهود في منطقتنا فهذا أمر لا يخفى. ومنذ انطلاق الطالبان فإن المتابع لسياسات أمريكا وعملائها في المنطقة وعلى رأسهم السعودية وباكستان يستطيع أن يلمس بوضوح توجيهاتهم الخفية لدفع الأحداث بهذا الاتجاه وهو امتصاص قوة الطالبان في إيران وضرب عدة عصافير بحجر واحد.
ثانيًا: كان المتهمون لطالبان في الأوساط العربية يقولون أن قيام طالبان هو مشروع أمريكي أشرفت على قيامه الأمم المتحدة ومن أهدافه - حسب تحليلاتهم - أن طالبان بعد الاستيلاء على أفغانستان ستتوجه بقوة الأفغان وتقحمهم في حرب مع إيران لتحقيق مشروع أمريكا. فأولًا يحجمون خصمهم العنيد في الخليج وهو إيران وثانيًا يدمرون أفغانستان ويستنزفون احتياطات السلاح والذخيرة ويأهلون البلد لمشروع الحكومة العلمانية الموسعة، وعليه ورغم عدم موافقتنا لهم على هذا التحليل فإنني كنت فيمن يخشى أن تقع طالبان في هذا الفخ وأن تتوجه إليه عبر ضغوط أو إيحاءات الباكستان التي تشغلها داخليًا حرب باردة سنية شيعية وراءها أصابع السعودية وإيران وأمريكا، وكنت أخشى بفعل قلة خبرة الطالبان بأمور وأحابيل السياسة العالمية ومؤامراتها أخشى أن تُستجر طالبان لهذا الاتجاه الخاطيء، الذي سيشغلها عن الاتجاه الصحيح وهو الاتجاه شمالًا نحو الجمهوريات السوفيتية إلى موسكو وجنوبًا وشرقًا نحو باكستان والهند والمنطقة العربية.
ثالثًا: الحقيقة الجازمة والهامة أنه من خلال المتابعة ومنذ دخل طالبان كابل فإن سياستها وتوجيهات أمير المؤمنين ملا محمد عمر كانت نزع فتيل الصدام السني الشيعي، وعلى الرغم من أن غالب علماء أفغانستان وأحناف وسط آسيا من الهند إلى روسيا يكفرون الشيعة في إيران وغيرها وعلى الرغم من الشعور بالبغض والنفور والكراهية الشديدة عند الأفغان السنة الأحناف للشيعة، فإن توجه إعلام طالبان تجاه الشيعة الأفغان في باميان أو الشمال أو الأقلية منهم في كابل كان وديًا ومطمئنًا، واستمرت سياسة الطالبان هكذا إلى اليوم رغم اجتياح الطالبان لباميان ودخولها عنوة، وعلى الرغم من تدخل إيران السافر في أفغانستان وتوريط الشيعة الأفغان وتاسيس عدة أحزاب طائفية متشددة تابعة لها في أفغانستان وعلى راسها حزب الوحدة الشيعي الأفغاني وعلى الرغم من المساعدات العسكرية لحلفائها الشيعة وغيرهم وتدخل الحرس الثوري في الحرب.
فقد حافظت سياسة الطالبان بصورة تدعو للإعجاب والثناء على سحب فتيل هذا الصدام وتميزت وسائل إعلام طالبان وتصريحات زعمائها بالبرود والتعقل تجاه شيعة أفغانستان أو تجاه إيران ذاتها مما جعلني وكثير من المراقبين نجزم تنبه قيادة طالبان لهذا الفخ والمؤامرة العالمية في جر الأفغان السنة والإيرانيين الشيعة للحرب وبالتالي إشعال سنة وشيعة المنطقة كلها من باكستان والهند إلى العراق والخليج بهذه المصيبة الدامية.
رابعًا: من الطرف الثاني كانت المفاجأة كاملة فمقابل سياسة طالبان الودية والباردة مع إيران كان تسعير الموقف وفتح باب الفتنة والحرب والعداء من قبل إيران ذاتها، فقد استمرت في تحريك تمرد الشيعة على طالبان وهم أقلية مستضعفة ودعمت دوستم ثم مسعود وصعدت حربًا إعلامية هابطة المستوى على لسان كبار الآيات ورموز الثورة الإيرانية وحكومة طهران وافتعلت أخيرًا أزمة الرهائن المفقودين ثم قامت بالمناورات وتحالفت صراحة مع أمريكا والسعودية وروسيا ودول وسط آسيا لإسقاط طالبان. بل مثلت رأس الحرب العسكرية في هذا الحلف، وبعد أن زار مسعود طهران الشهر الفائت تنشر اليوم إيران أكثر من 270 ألف جندي على طول الحدود وتدق طبول الحرب صباح مساء. وأول البارحة قامت بأول اعتداء واخترقت عشرات الطائرات الإيرانية المجال الجوي الأفغاني.
فعلى عكس ما كنا نتخوف وعكس ما كنا نتوقع، فإن بداية هذه الحرب لو قامت لمصلحة اليهود وأمريكا فإنها انطلقت من إيران وبإشارة من أمريكا، بل من العجب أني علمت الأسبوع الماضي من مصادر ذات اطلاع هنا، أن أمريكا أبلغت الطالبان أنها هي التي أوقفت إيران عن مهاجمة طالبان وأفغانستان وأن على طالبان أن ترد الجميل لأمريكا بتسليم بن لادن والمجاهدون العرب أو طردهم من أفغانستان، وإلا فإن أمريكا ستبلغ إيران أنها لا دخل لها بمعنى لا مانع عندها إن أرادت مهاجمة أفغانستان. واليوم 11/ 10/98 صرح وزير دفاع أمريكا اليهودي كوهين بأن أمريكا تأمل بتعاون أقليمي مع إيران وهذا مفهوم، وهكذا تثبت الأيام اليوم حقيقة عجيبة وهي أن إيران صارت مخلب أمريكا في وجه أهل الإسلام أهل السنة والجماعة الذين يشكلون أكثر من 90% من أهل القبلة في أكثر من مليار ومئتي مليون مسلم من أهل القبلة. إن هذا الواقع قلب كل التوقعات وكشف حقيقة التصادم بين الشيعة من جهة والنظام العالمي من جهة وهو تصادم موهوم مفتعل والصدام الحقيقي هو بين المسلمين السنة والصليبيين واليهود وعملائهم المرتدين ..
خامسًا: في أوساط المسلمين السنة عمومًا والحركات الجهادية خصوصًا تفسيران لهذا الحلف الصليبي اليهودي العالمي مع الروافض الشيعة اليوم.