فنسأل الله لنا ولإخواننا جميعًا أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه ويحببنا فيه .. ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه ويكرهنا فيه. إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أما عن قضية القبور والشركيات في أفغانستان فثمة نقاط أساسية يجب لفت النظر إليها:
1 -أن الشائع المعروف في أفغانستان ولدى كثير من علمائهم ومنهم بعض شيوخ الطالبان ورؤوسهم. هو سؤال الله تبارك وتعالى عند القبور والمزارات. وليس سؤال الموتى أنفسهم. فالأول وهو الموجود مسألة خلاف بين علماء أهل السنة وكما ذكر بن تيمية أنه على التحقيق بدعة ولم يقل أحد أنه شرك. في حين أن سؤال الموتى جلب النفع ودفع الضر هو من أعمال الشرك. وهذا نادر الوجود هنا وإن وجد فهو من جهلة العامة وليس من الطالبان.
2 -أن وجود الأضرحة والأعلام عليها والمزارات. هو بدعة مخالفة للسنة في القبور وليس عملًا من أعمال الشرك.
3 -أن كثيرًا من الأعمال التي يأتيها العامة ينكرها علماء الطالبان وكبراءهم ولكن ليست إزالتها عليهم بالهينة وهم في الحكم منذ أربع سنين أو خمسة. ولم يتخلصوا من أمهات البلايا والحروب حتى يفتحوا حروبًا مع الناس وشيوخهم وقبائلهم وعوائدهم.
4 -كما ذكرت فإن هذه الأعمال إن وجدت هي بدع وشركيات في أسوأ الأحوال ولكن لم يقل أحد بأنها مخرجة من ملة الإسلام. فيبقى ما اسلفنا من حكم القتال إذن هو قول أهل السنة في الدفع والطلب وجهاد العدو مع كل بر وفاجر إمامًا ومأمومًا استجلابًا لمصالح المسلمين ودفعًا للمفاسد والمخاطر عنهم.
2.الشبهة الثانية:
أن الطالبان أحناف متعصبون لمذهبهم ولا يسمحون بغيره ويحكمون به.
أقول وبالله التوفيق:
1 -أما أن الطالبان وعموم الأفغان أحناف فنعم. وأما أن الطالبان متعصبون. فأقول أن غالب إن لم يكن سائر الأفغان متعصبون لمذهبهم وغالب الطالبان في هذه كقومهم ومشايخهم، وأما أن الطالبان كحكومة يحكمون بمذهبهم فنعم ولكن ليس لديهم محاكم تفتيش على كل أحد كيف يعبد ربه. وأما أنهم يحكمون به فكما أعلم أنه ليس للحاكم أن يلزم الناس بمذهب في عبادتهم ولكنه له أن يختار مذهبًا للقضاء والحكم توحيدًا لكلمة الناس ومرجعهم. وهكذا كان حال معظم ممالك الإسلام كل حاكم وضع على القضاء والحكم من ارتضى دينه ومذهبه.
وأقول أيضًا أن العارف بتاريخ وجغرافيا بلاد الإسلام وحال سكانها من المسلمين يعرف أنه بانقضاء القرن الأول والثاني استقر المذهب الحنفي في بلاد السند والهند وتخوم الصين من بلاد تركستان إلى أفغانستان ووسط آسيا فتركيا إلى العراق فبلاد الشام بالإضافة إلى مشرق بلاد الإسلام إلى بلاد بورما وبنجلاديش فمشرق بلاد الإسلام كله حنفي إلى وسطه تقريبًا.
واستقر المذهب الشافعي في بعض نواحي القفقاس وبلاد الشيشان وفي المشرق بلاد أندونيسيا وماليزيا وبعض نواحي جنوب شرق آسيا وأهم تواجده هو في أجزاء من العراق و الشام إلى مصر حيث أن أغلب مصر شافعية. واستقر المذهب المالكي في شمال أفريقيا من ليبيا إلى موريتانيا ومنها نزل إلى وسط وقلب أفريقيا، وأما مذهب الإمام أحمد فانتشر في حدود الجزيرة العربية. هذا بشكل رئيسي وهناك أتباع للمذاهب الأربعة كأفراد في كل تلك البلاد بشكل مختلط.
والمعروف أن عموم عوام كل أهل بلد متعصبون لمذهبهم بحكم الجهل بالمذاهب الأخرى، بل إن غالب علماء كل بلد متعصبون لمذهبهم. ولما كنت في بلاد الشام قبل عشرين سنة أذكر أن المسجد الأموي كان فيه أربعة محاريب في جدار القبلة. وسألت عن ذلك فقالوا لي أنه منذ سنين كانت تعقد فيه أربع صلوات جماعة ! صلاة لكل مذهب! ولو أردنا الحديث عن التعصب المذهبي في بلاد الإسلام كلها ما أظن ينجو من ذلك أحد لا عامة ولا علماء إلا من رحم الله. وأما القضاء فقد كانت الدولة العباسية وهي نحو خمس قرون تقضي بالمذهب السائد عمومًا وهو الحنفي. وكذلك بشكل خاص الدولة العثمانية وهي نحو خمس قرون كذلك. واليوم يقضى في بلاد الشام فيما بقي من المحاكم الشرعية منذ عشرات السنين بالمذهب الحنفي. وفي مصر بالمذهب الشافعي في العبادات والحنفي في المعاملات، وفي شمال أفريقيا كان الحكام منذ مئات السنين ومحاكمهم مالكية إلى اليوم , وبلاد الحزيرة يقضى بمذهب الإمام أحمد منذ عشرات السنين وأما العلماء والفقهاء فما منعهم أحد أن يجيبوا سائلًا بحسب مذهبهم وفقههم ولكن حال الحاكم ومسؤولياته واختياراته أمر آخر. هكذا كان على مر التاريخ. فهذا الأمر وما فيه من صواب وخطأ أيضًا لا تاريخيًا ولا حاليًا ينفرد فيه الأفغان عمومًا والطالبان خصوصًا.
ولكن جهل الناس بالمذاهب الأخرى ولا سيما بالشعائر الظاهرة خاصة الصلاة يجعلهم في كل مكان ينكرون على من يأتيها بشكل غير مألوف لأنه يثير البلبلة ويشوش على الناس وكأنه يعاكسهم في أخص العبادات وهي الصلاة والجماعة خصوصًا.
2.أن الجهال الذين يصرون على معاكسة الناس ويسعون وهم يظنون أنهم يتمسكون بسنة إلى ترك ما هو آكد منها فمن السنة متابعة الإمام. والواجب تأليف المسلمين ومن الفريضة عدم إشاعة فساد ذات البين وهي حالقة الدين .. فيأخذون بسنة ويتركون سننًا , وواجبات وفرائض وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا!! وقد أفاض في هذا الشيخ عبد الله عزام ما يكفي ولكنه كأنه نسيًا منسيًا فارجعوا لما كتب رحمه الله.
ذكر عن الإمام ابن عبد البر وهو من أئمة المالكية. وعموم مالكية شمال أفريقيا يسبلون في الصلاة ولا يقبضون. أنه قال: كنت إذا دخلت بلدًا ومسجد قوم يقبضون أقبض وكنت إذا دخلت على من يسبلون أسبل فالخلاف شر كله. ولكن كثيرًا من إخواننا يعرفون قاعدة (الخلاف شر كله) ولكنهم يعملون بها وكأنها (الخلاف والشقاق وفساد ذات البين بين المسلمين خير كله) هذا هو الواقع وللأسف.