وفي حدود علمي من ناحية أخرى لا أعلم أحدًا يشارك أو اقتنع بالمشاركة بهذا القتال خرج من أجل دنيا أو إرضاء لغير الله. بل ما لمسته منهم هو قناعتهم بهذا الجهاد في سبيل الله وابتغاء مرضاته والشهادة في سبيله ونصرة لدينه والقائمين بشريعته ودفاعًا عن الفارين بدينهم من ظلم مختلف طواغيت الأرض فلا يحق لأحد قعد عن هذا الجهاد والقتال ولم يقتنع به أن يرمي إخوانه المجاهدين الذين يدافعون عن آخر ملاذاتنا في هذه الأرض بل عن بيوت ومعسكرات ومأوى الذين لم يقتنعوا بعد. ولا يستجرهم الشيطان بدافع شعورهم بأنهم متهمون بالتقصير بالمبادئة بنقد وتجريح من خرج لما لم يخرجوا إليه. هذا ما نظنه بإخواننا المقتنعين أو غير المقتنعين من المجاهدين والمهاجرين في سبيل الله. ولا نزكي أنفسنا ولا إخواننا ولا أحد من خلق الله على الله. وهذا ما ظهر لنا والله يتولى السرائر.
قال تعالى: (قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم) . وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون ولكن طمعه ما زال في التحريش بينهم. فنسأل الله الهدى.
ثانيًا: وسأوضحه هنا وأذكر به في آخر هذا البحث إن شاء الله. وهو أن الفتوى السياسية الشرعية مثلها مثل كل فتوى شرعية وكل قول في دين الله مبنية على واقع يقتضي حكمًا لله فيه.
ولما كان واقع كثير من الفتاوى في دين الله كأحكام الطهارة والعبادات والبيوع والمواريث وسوى ذلك ثابتة. كان الأصل في تلك الأحكام والفتاوى أنها ثابتة ومفصلة.
ولكن أحكام السياسة الشرعية في واقع البشر وحركتهم أفرادًا وجماعات وأحكام الله في صراعاتهم السياسية والعسكرية ومواقفهم متوقفة على حكم الحال الذي هم فيه. فالأحكام والقواعد أصلًا ثابتة معروفة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال الثقات والعلماء وفقهاء الأمة عبر تاريخها. ولكن لما كانت قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. ولما كان هذا التبدل والتحول في البشر يتدرج حتى يصل إلى أن الرجل يصبح مؤمنًا ويمسى كافرًا ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل. لهذا السبب الجوهري. كانت الأحكام السياسية الشرعية المفروضة علينا اتخاذها تجاه فرد أو جماعة من البشر تتحول وفق القواعد والموازين الثابتة التي أشرنا إليها ولاءً وبراءً وما يتبع ذلك تبعًا لأحوال العباد.
فمن أصبح مؤمنًا أصبح وله حقوق على كل مسلم من الولاء والنصرة وغير ذلك وإن أمسىكافرًا بات وفي أعناقنا واجبًا من البراءة منه والعداء له وما يتبع ذلك وهكذا. فالثابت قواعد دين الله وأحكامه والمتحول هو أحوال وقلوب العباد فثبتت الأحكام وتحولت لذلك مواقفنا من الناس إلزامًا شرعيًا لأنه حق الله وحق دينه.
وهذه البديهية التي نسيها الناس إما جهلًا أو بسبب التعصب والتباغض والأهواء اليوم مستفيضة أمثلتها على مر التاريخ، وفي التاريخ الإسلامي سيرةً وسلفًا إلى يومنا هذا وسيبقى هكذا سنة من سنن الله تعالى. فسحرة فرعون جاءوا رؤوسًا للكفر يقولون لفرعون: (أئن لنا لأجرًا إن كنا نحن الغالبين) فكان لهم حكم شرعي هو البراء منهم ومنابذتهم مع فرعونهم. وأمسوا بعد اللقاء بين فرعون ورسول الله موسى عليه السلام شهداء من أفضل شهداء الحق يقولون: (لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا) فصار حكمهم حكم كل مؤمن من الولاء وحقوقه والصحابة قبل إسلام أحدهم كان له حكم من البراء وبعد إسلامه حكم من الولاء وبعض من اسلم ارتد فاستحق البراء والقتال وبعضهم عاد فأسلم وحسن إسلامه فاستحق الولاء والنصرة وهكذا. فهذا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كان باغيًا على علي رضي الله عنه يجب قتاله مع الإمام الشرعي فلما صالحه الحسن رضي الله عنه واجتمع عموم أهل الإسلام على معاوية عنه صار خليفة شرعيًا يجب قتال الخارجين عليه من البغاة والخوارج وهكذا ..
وهنا مثلًا في أفغانستان: كانت الأحزاب الجهادية تقود جهاد الشعب الأفغاني ضد الروس وضد الشيوعيين الذين مثلوا صائلًا على الإسلام والمسلمين في هذه البلاد. فكان إجماع علماء الإسلام وقادة العمل الإسلامي في هذا الزمان والذي نقله واهتم بتسجيله وإشهاره الشيخ عبد الله عزام رحمه الله وجعلوا الجهاد ضد ذلك الصائل فرض عين على كل مسلم. ثم خرج الروس واقتتل زعماء الأحزاب الجهادية فكان هناك أبعد وأقرب إلى الحق ثم اختلطت الأمور وصارت فتن واقتتال على الدنيا والعمالة للدول فصار التوقف واعتزال الفتن والصراع الذي لم يعد في سبيل الله هو الحق والله أعلم ..
ثم ظهر الطالبان وانطلقوا بتحكيم الشريعة ونشر الأمن بين الناس. وتحالف النظام العالمي بكل طبقاته مع المفسدين والشيوعيين في أفغانستان ضدهم وضد من لاذ بهم من المؤمنين الفارين بدينهم وصار في الحلف المعادي لهم أناس كانوا رؤساء في الجهاد ضد الروس. وصار منهم من يعلن جهارًا مثل رباني ولاءه للغرب ومخططه في أفغانستان ويبارك ضرب أمريكا لبلاده بصواريح الكروز لأنها تقاوم الإرهاب. وصارت أخبار مساعدات بني يهود له حقيقة علنية. وقام رأس آخر من رؤوس الجهاد باللجوء والتحالف مع الروافض ولعب ورقتهم في أفغانستان وثالث كان رمزًا للجهاد قبل سنتين يقاتل اليوم إلى جانب الشيوعيين طلبة العلم الشرعي ويبهتهم بكل ما يستطيع. فتغيرت الأحكام والمواقف الشرعية تبعًا لهذا ..