فكما يسعهم الاقدام هناك، فكذلك يسعهم هنا، فإن قيل: كيف يسعهم هذا وفيه قوة لهم على المسلمين لانهم إذا ظفروا بعدوهم فامنوا جانبهم اقبلوا على قتال المسلمين، وربما ياخذون منهم الكراع والسلاح فيتقون بها على المسلمين، قلنا: ذلك موهوم، وما يحصل لهم الان من النجاة من اسر المشركين بهذا القتال معلوم، فيترجح هذا الجانب، الا ترى انهم لو طلبوا من امام المسلمين ان يفاديهم باعدائهم من المشركين او بالكراع و السلاح جاز له ان يفعل لتخليصهم به من الاسر وان كانوا يتقون بما ياخذون على المسلمين، ثم قال في مسألة 2980:
وان كان في ذلك ضر وبلاء ويخافون على أنفسهم الهلاك، فلا باس بان يقاتلوا معهم المشركين إذا قالوا نخرجكم من ذلك، لأن لهم في هذا القتال غرضا صحيحا، وهو دفع البلاء والضر الذي نزل بهم. انتهى نقل الشواهد من السير الكبير.
اقول والله المستعان وهو الهادي للحق والصواب: المستفاد من هذه الشواهد:
1.الوقوف مع أهل الشرك ضد هل الشرك كما قدم بغير ضرورة ليس جائز لأن الجهاد يكون لاعلاء كلمة الله أو لمصلحة شرعية مشروعة.
2 -ان القتال مع الخوارج أو نحوهم هم من أهل القبلة وليسوا من أهل السنة جائز إذا كان العدو كافرا كما قال علماء شمال افريقيا لما ارتد البربر نقاتل مع أهل القبلة من ليس من أهل القبلة وهو على اصل دفع المفسدة الاعظم ولكن بين إذا لم يكن في اولئك الخوارج غدر بالعهود للمسلمين او المأمنين
3 -المسائل التالية ابيح فيها للمسلم ان يقاتل مشركين مع مشركين اما لدفع ضر مثل قتل او اذى او استجلاب مصلحة مثل تخفيف عذاب او اطلاق سراح وذلك لانه يستند إلى واجب أو جائز، فكما قال الإمام محمد بن الحسن الاصل في قتال أهل الشرك جائز وطلب مصلحة المسلم واجب او جائز، فهذا كما لو كان قوم من المسلمين اسرى عند الروس فهاجمهم الصين فقال الروس للمسلمين تقاتلون الصين معنا ونطلق سراحكم او نخفف عنكم جاز ذلك من هذا الوجه فقتال الصين جائز أصلًا أو واجب، وطلب المصلحة كما ذكرنا جائز بعكس ما إذا طالبوهم بقتال مسلمين، فلا يدفعون الضر عن أنفسهم بضر المسلمين.
اقول هنا والله المستعان تعريجا على مسألة قتالنا مع الطالبان لعدوهم من الاحلاف بعد ان ثبت لنا ان الطالبان على العموم مسلمين في بعضهم نقص في العدالة وما يجرحهم. وعدوهم صائل من يهود وصليبيين وروس ومرتدين ومفسدين وفسقة وجاهلين إذا كان قد جاز للمسلم ان يقاتل مع كفار كما في شاهد النجاشي وكما في الشواهد الماضية ان يقاتل مع كفار كفارا اخرين دفعا لمخاطر عن نفسه او استجلابا لمصلحة مثل تخفيف عذاب او استرداد حرية، فكيف لا يجوز عند عاقل ان يقاتل مسلم مع مسلم استجار به فاجاره وحارب الكفار من اجله وما نقموا منه ومنهم الا ان قالوا ربنا الله دفعا عن أنفسهم ضد ذلك الصائل الكافر الذي قصدهم معا واستجلابا لمصلحة حفظ ارواحهم واعراضهم وانفسهم (ولا اقول اموالهم لانهم لا مال لهم والحمد لله بعد تجفيف المنابع) ، وليس لمجرد فك اسر او تخفيف عذاب هذا جلي واضح وللحمد لله، فالضرورة أباحت القتال مع الكافر استجلابا لمصلحة او دفعا لضرر فكيف لا تبيح القتال مع مسلم دفعا عن انفسنا القتل والتسليم لاعدائنا بدعوى ان فيهم شركيات ونواقض للعدالة وفجور، هذا من افسد الورع الكاذب، او الجهل بالدين والواقع، وهو مثل قول الخوارج الذين لا يقاتلون مع أهل المعاصي ويكفرونهم بها ومثل قول الروافض الذين لا يجاهدون الا مع الإمام المعصوم كما ذكر صاحب العمدة نقلا عن ابن تيمية كما مر معنا في أدلة المسألة الاولى.
ومما يؤيد هذا ايضا الشاهد الثالث التالي:
جاء في كتاب المحلى للإمام الجليل ابن حزم الاندلسي رحمه الله في الجزء الحادي عشر في الصفحة 112 المسألة 2158 مسألة هل يستعان على أهل البغي باهل الحرب او باهل الذمة او باهل بغي اخرين، وبعد ان ذكر عدم تجويزات الشافعية وتجويز الحنفية ثم ذكر رايه المنع من ذلك لعموم قوله صلى الله عليه وسلم (انا لا نستعين بمشرك) إلى ان جاء في المحلى بعدها ما يلي:
(قال ابو محمد رحمه الله(يعني الإمام ابن حزم) هذا عندنا -أي عدم الاستعانة بالمشركين - ما دام في أهل العدل منعة، فإن اشفوا على الهلكة واضطروا ولم تكن لهم حيلة فلا باس بان يلجأو إلى أهل الحرب وان يمتنعوا باهل الذمة ما ايقنوا انهم في استنصارهم لا يؤذون مسلما ولا ذميا في دم او مال او حرمة مما لا يحل. وبرهان ذلك قول الله تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه) . وهذا عموم لكل من اضطر إليه لا مانع منه نص أو إجماع، فإن علم المسلم واحد كان أو جماعة أن من استنصر به من أهل الحرب أو الذمة يؤذون مسلمًا أو ذميًا فيما لا يحل فحرام عليه أن يستعين بهما وأن هلك ولكن يصبر لأمر الله تعالى ( .. ) إلى أن قال في الصفحة 113 ذاتها. قال أبو محمد رحمه الله:
فهذا يبيح الاستعانة على أهل الحرب بأمثالهم وعلى أهل البغي بأمثالهم من المسلمين الفجار الذين لا خلاق لهم، وأيضًا فإن الفاسق مفترض عليه من الجهاد دون دفع أهل البغي كالذي افترض على المؤمن الفاضل فلا يحل منعهم من ذلك بل الفرض أن يدعو إلى ذلك وبالله التوفيق. قلت وبالله التوفيق والمستفاد من كلام ابن حزم رحمه الله أمور:
1 -إذا اضطر المسلمون وحصرهم أهل البغي ولم يعد لهم منعة وأشرفوا على الهلاك استعانوا بالكفار وبأهل الذمة على أهل البغي، وكما أوضح يستعان على أهل الحرب بأمثالهم وعلى أهل البغي بأمثالهم من المسلين الفجار الذين لا خلاق لهم وكذلك لا يمنع فاسق من الجهاد بفسقه بل يدعى للجهاد، أما الحالة التي نحن فيها فتوصيفها أن نفرًا مستضعفًا من المجاهدين الأفغان العرب والمسلمين استجاروا بمسلمين يطبقون شرع الله ولكن فيهم من يؤخذ عليهم مطاعن في الدين استجار هؤلاء بهم من مطاردة كفار أصليين يهود ونصارى ومرتدين لا حقوهم وحصروهم فاستعانوا واستجاروا بهؤلاء، فالقتال معهم هنا من باب الأولى إن لم يكن للجوار فللضرورة التي أباح العلماء كما رأينا هنا فيها الاستعانة والاستجارة بالكفار الحربيين وأهل الذمة، ومن الشواهد الأخرى.