• وأما الذين ذهبوا للسودان فالقصة أشهر من أن تروى وأصحابها أولى بروايتها لما ييسر الله لهم، والمشتهر المعروف منها أن السودانيين الأشاوس تلاميذ الترابي شاتم الأنبياء عليهم السلام، والمفتئت على شرع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أكلوا الناس لحمًا، ورموهم عظمًا، وربما ليس لي أن أروي ما أعرف دفعًا للحرج. ثم خرج الشيخ أسامة لما لم يعد بينه وبين أن يُخرج عنوة إلا قليلًا، ويمم وجهه شطر أفغانستان بمن معه من الأسر والأتباع مخلفًا ما قدم للإسلام والمسلمين في السودان من مساعدات اقتصادية ومشاريع، أمانة لدى من لم يؤتمنوا على دين الله ورسوله حتى يؤتمنوا على أموال المسلمين. وأما جماعة الجهاد المصرية فقد أخرج آخر عناصرها عنوة وتحت التهديد ولم يسمح بالبقاء للنساء والعجزة والأطفال، ورحلوا قسرًا قبل وصول فريق تفتيش من حكومة القاهرة، وأما الجماعة الإسلامية فلم تكن أحسن حالًا هناك. وحتى جنسيات أخرى مثل إخوتنا الليبيين فقد بلغ الحال بعدما رحلوا جميعًا قسرًا وبالتهديد وبعد أن ألزم السودانيين بن لادن أن يُخرج من جماعته من كان من الليبيين في السودان إرضاءً للقذافي، بلغ الأمر أن الزبير الوزير السوداني الذي هلك في حادث تحطم طائرة ومضى بموبقاته إلى ربه، كان قد حمل بيده خمسة من الإخوة اللبيين المجاهدين بطائرته الخاصة وكانوا قد أوقفوهم في السودان، وسلمهم هدية للقذافي في ليلة عيد الفطر العام قبل الفائت 1977 من أجل تحسين العلاقة بالقذافي. واعترف البشير في مقابلة صحفية مع جريدة القدس بأن هذا قد حصل فعلًا وفق معاهدة تبادل المجرمين!!
وتكفي هذه النماذج عن قصة السودان السوداء الحزينة. المهم أخرج كل من فيها إرضاءً لليهود والنصارى والأمريكان والمرتدين وتحقق للسودان وعد الله الأزلي (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) ولم يرض هذا النصارى لأن رائحة مسمى الإسلام لم تزل على السودانيين، ولحقتهم صواريخ الكروز لتدمر مصنعًا يغطي نصف احتياج السودان من الدواء وغير هذا كثير معلوم.
• وأما الذين ذهبوا لليمن فقد تعرضوا لعدة حملات أمنية واعتقال ومشادات وخرج معظمهم لا يلوي على شيء ولم يبق إلا النذر اليسير في جوار بعض أهل النخوة من القبائل الذين دفعوا عنهم الصورة السوداء لما حصل في السودان وقد خرج الغالبية من اليمن أيضًا.
• وأما الذين خرجوا إلى أوربا فهؤلاء أنا أعرف بأحوالهم من كل الآخرين لأني كنت معهم والحقيقة أني لم أفهم نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السكنى بديار الكافرين التي آوينا إليها قسرًا والحمد لله الذي نجانا منها ونسأله ألا نعود ولا أحد من ذريتنا إليها لم أفهم ذلك إلا عندما عشت ورأيت هذه المعاناة. وهذا موضوع ربما تحدثت فيه لاحقًا إن شاء الله في شريط منفصل لكثرة ما فيه من العبر ولكن أذكر هنا الأهم من المهم:
1 -لم يحصل على اللجوء السياسي إلا نذر يسير من الإخوة والباقون مجمدون عن السفر والحركة بانتظار البت في طلباتهم، والمحظوظ منهم كمن في بريطانيا أو الدول الإسكندنافية، يحصل على مساعدات اجتماعية تضعه فوق خط الفقر والكفاف بقليل. وأما من قذف إلى بلاد ذات ظروف سيئة ومعظم الدول تسير الآن بقوانين اللجوء نحو الظروف السيئة- فكثير منهم وضعوا حتى مع عوائلهم إن كان معهم أسر، وضعوا في معسكرات التجميع لطلاب اللجوء السياسي مع الزنوج والفلبين والفيتنام وأهل أمريكا اللاتينية وغيرهم من اللاجئين حيث المطابخ والحمامات مشتركة بين النساء والرجال، وصرفت لهم مساعدات لا تكفي الوصول لخط الفقر وهم في أحوال دون مستوى حقوق الآدميين هذا من حيث الظروف.
2 -أما من تيسرت أحواله فقد دخل دوامة الحياة الأوربية وهي مطحنة محرقة، فالكفر هناك عقر داره، ومشاكل تربية الأولاد والمدارس، وكسب العيش وإحاطة الحرام بالمسلم من كل جانب تحتاج لوصف طويل، والمخلص الطيب من إخواننا يعيش في عذاب ضمير كل ساعة. فالدين ينقص من العزيمة للرخصة ومن الرخصة للتساهل، ولقد فتن البعض، وخف ورق دين الجميع بلا استثناء، كل بحسبه، والمسلمون من الحركات الإسلامية هناك مناوئين للجهاديين ويسيؤون معاملتهم وربما منعوهم مساجدهم، وباقي الجالية من المسلمين القدماء في تلك الديار أحوالهم أو أكثرهم تسير للكفر، إن لم يكن كفرهم فكفر ذراريهم إلا من رحم الله وهم النادر القليل. وكل من وصل هناك من أصحاب الضمائر وتيسرت أحواله يسأل الله ليل نهار أن يخرج من تلك البلاد.
3 -وأما عن الاحوال الأمنية فالإخوة مراقبون في كل البلاد بشدة وقد تعرضوا للاستجواب والتحقيق بحسب أهميتهم ونشاطهم مرات ومرات، وهم مهددون كل لحظة بأن يدخلوا تحت طائلة قوانين الإرهاب التي تشتد يومًا بعد يوم، حسب حالة الصراع مع النظام الدولي ويعتقل البعض بين حين وآخر , ويهددون بالترحيل والتسليم لبلادهم للإعدام، ولم تكف مخابرات تلك الدول هذه عن محاولة اصطياد بعضهم لتجنيدهم كعملاء وجواسيس لها كما فعلت مع عديد من أتباع الجماعات الإسلامية الأخرى المقيمين في بلادها منذ زمن طويل عبر الضغوط النفسية والإرهاب والترغيب. وأما تلك الهوامش الضيقة التي كانت قائمة بسبب تضارب سياسات تلك الدول فهي في طريقها للانتهاء، أو انتهت بحكم توحيد السياسات الدولية والأمنية في مكافحة الإرهاب، وهو ما يقصد به الحركات الجهادية الإسلامية. وفي الآونة الأخيرة عمدت الدول كلها وأشدها ديمقراطية مثل بريطانيا والدول الإسكندنافية، إلى تعديل قوانينها وإعادة التصويت عليها في برلمانهم لتضييق دائرة اللجوء السياسي ولتعريض لائحة تهم الإرهاب التي تشمل الآن التخطيط أو المساعدة او الدعوة أو حتى التأييد الأدبي لما يسمونه إرهابًا، وهم أصحاب الحق طبعًا بوصف ما هو إرهاب وما هو غير ذلك!. ويكفي فيهم أن قصف إسرائيل للنساء والأطفال في مبنى الأمم المتحدة في قانا اعتبره الإنجليز بعد الأمريكان وسواهم عمل مشروع. وأن الدعوة بالكتابة إلى إسقاط زروال أو غيره من فراعنة الأرض المجرمين القتلة تعتبر إرهابًا وهم أدرى الناس بحال ما يسمونه حقوق إنسان عند أولئك المجرمين!