1 -كما أوجزت سابقًا وكما هو معروف عالميًا فقد قلبت أمريكا ظهر المجن للمجاهدين العرب والحركات الجهادية التي التقت مصالحها الإسلامية في نصرة جهاد المسلمين في أفغانستان وإعداد كوادرها الجهادية في هذا الجهاد مع مصلحة أمريكا والغرب في إزالة الاتحاد السوفيتي قدرًا. فطاردت أمريكا هؤلاء عبر حملات أمنية تولت مسؤوليتها الأساسية باكستان ومصر والسعودية وبعض الدول العربية.
2 -يمكن تقسيم المجاهدين العرب والذين بلغ أو جاوز عددهم الأربعين ألفًا من مختلف الجنسيات من حيث تفرقهم على الشكل التالي وهذا أيضًا مشهور معروف:
أ القسم الأعظم كان من بلدان لا مشاكل حادة بينها وبين الإسلاميين فيها، فعادوا لبلادهم مثل الإخوة السعوديين ودول الخليج واليمن وسوى ذلك. وإن كانوا قد تعرضوا لاستجوابات أو اعتقال أو رقابة ولكنهم عادوا للحياة الطبيعية العامة أو طرأ لبعضهم مشاكل محدودة.
ب عدة مئات استوطنوا باكستان وتوزعوا في مدنها وبعضهم تزوج فيها والقسم الآخر تابع حياته الاقتصادية بعمل ما واتخذها مستقرًا، ورغم أنهم تعرضوا لحملات أمنية كثيفة واعتقلوا واطلقوا عدة مرات، ولكنهم عادوا للحياة والاستقرار فيها وألفوا هذا المد والجزْر مع السلطات الباكستانية.
ت القسم الثالث ذهب معظمهم إلى السودان أو اليمن فأما السودان فكانت قد فتحت الأبواب بل شجعت على قدوم الأفغان العرب لها عبر قنصليتها في بيشاور وبشكل علني، وافتتحت خط طيران مباشر بين كراتشي والخرطوم واستقبلت الشيخ أسامة بن لادن وفلوسه وشبابه على الرحب والسعة، كما استقبلت جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية المصرية بشكل علني، واتخذتهم ورقة للضغط على حكومة مصر التي تؤوي وتؤيد المعارضة السودانية وتبعًا لهذه الحركة من الشيخ ومن الجماعات المصرية مشى في كنفهم قسم آخر من جنسيات أخرى واستقر في السودان.
ث قسم آخر ونظرًا للظروف المريحة والمتفلتة في اليمن ونفوذ الإسلاميين والقبائل فيها استوطن اليمن، وكان هذين الصنفين الذين يمموا شطر السودان واليمن من النوع الذي لا يستطيع الرجوع إلى بلاده من المصريين أو الجزائريين أو الليبيين أو العراقيين أو من كان في حكمهم من الجنسيات الأخرى ومعظمهم ينتمي لجماعات جهادية لها مواجهات مع حكومات بلادها سابقًا.
ج القسم الخامس يمم وجهه شطر أوربا للجوء السياسي فتوجهوا لعدة دول أوربية كان أهملها بريطانيا بحكم قوانين اللجوء، وما تتيحه من المساعدات المادية والظروف الاجتماعية، ومثلها الدول الاسكندنافية وكندا وبعض دول وسط أوربا .. وقد حصل قسم منهم على اللجوء، والأغلب منهم قيد الانتظار في حالة من التجميد عن الحركة في إطار الدولة التي لجأ إليها تحت طائلة المراقبة والإزعاج في حال ما إذا مارس أي شكل من اشكال العمل الإسلامي، فضلًا عن النشاط المؤيد للجهاد والذي يسمى هناك بالطبع إرهابًا.
ح القسم الأخير لم يتحملوا الإقامة في باكستان أو لهم ظروف أمنية فيها ولم يتيسر لهم لاسباب مادية في الغالب من المال والوثائق أن يتحركوا فيما تحرك أسلافهم فلم يكن لهم من مكان إلا أن يتوجهوا إلى أفغانستان ليستقروا فيها ويتنقلوا بينها وبين باكستان للضرورة، وقسم ضئيل بقي في افغانستان أصلًا للحفاظ على أمانة استمرار بعض المعسكرات والتدريب الذي ضاق مجاله ولكن لم ينقطع في ظل حرب الأحزاب لأن مناطق المعسكرات بعيدة عن مناطق الصراع حول كابل بالإضافة لبعض الشباب الذين قرروا المضي في الجهاد إلى نهايته في أفغانستان والصمود فيها على الهدف الأول الذي جاؤوا من أجله وهو إقامة دولة إسلامية في أفغانستان، ويروي هؤلاء معاناة أمنية ومعيشية غاية في الصعوبة خلال مسيرة صمودهم على الخط في أفغانستان، وقسم صغير من هؤلاء كان أصلا مع حكمتيار في صراعه مع رباني الذي كشر في حينها عن أنياب العمالة والخزي والخيانة وقلة المروءة مع إخوانه المجاهدين العرب الذين دافعوا عن أرضه وعرضه فعرض تسليمهم ولم تجف دماء شهداؤهم بعد من أراضي ساحات الجهاد الأفغاني.
كان هذا السيناريو عمومًا ما بين 92 وسقوط كابل إلى أواسط 96 أي قبل ظهور الطالبان على كابل بقليل، فماذا حصل لهؤلاء الظاهرين علىلحق الغرباء المشردين في الأرض في هذه المهاجر؟! يمكن إيجاز ما حصل بما يلي:
• أما الذين عادوا لبلادهم فهم تحت الرقابة والإرهاب وطائلة الإتهام في أي لحظة والاعتقال التعسفي ففي مصر فتحت لهم محاكم عسكرية باسم (العائدون من أفغانستان) ، وفي غير مصر أسوأ، بل منع بعضهم من العودة لبلاده كالأردن، ولم ينج من هؤلاء حتى الشباب السعودي في بلاد التوحيد والعقيدة. فقد مشطت الاعتقالات تقريبًا كل الخمسة عشر ألف شاب ممن جاهدوا وفق رغبة أمريكا وإذن ولي الأمر وفتاوى هيئة كبار العلماء الاشاوس، وأدخل جلهم إن لم يكن كلهم السجن، وعذبوا بكافة الأساليب التي دربت عليها المخابرات المصرية والتونسية وغيرها مخابرات نايف بن عبد العزيز، حتى جاءت الأخبار بانتهاك أعراض البعض وتهديد الآخرين. فما بالك بمن عاد للدول الديكتاتورية المعروفة بطغيانها. وليس المحل هنا محل رواية أحوال هؤلاء المظلومين فإلى الله المشتكي.
• وأما الذين استوطنوا باكستان فقد تعرضوا حتى الآن لأربع حملات أمنية شرسة وكثيرًا ما غيروا بيوتهم وفروا منها وهم هناك تحت طائلة الفقر والكفاف في بلاد تصدر العمال والعاطلين عن العمل لكافة أنحاء الأرض وقد نقص عددهم، وقصارى هم معظمهم أن يفوز بما فاز الآخرون بالذهاب للجوء السياسي أو النزول حيث نزل الناس من البلاد.