قالت في نفسها: النفاق لا يدرّس في المدارس، ولا في الجامعات ولا يمزج مع أي نوع من أنواع الطعام، حتى الحليب إذا افترضنا أنه ينقل مع حليب بعض الأمهات، وهذا افتراض خاطئ، فالكثير من الأطفال في عصرنا لا يرضعون حليب أمهاتهم.. بل يتناولون حليبًا مجففًا أو غير مجفف من حليب الأغنام والماعز والأبقار الخ.. الخالي من أي نوع من أنواع النفاق البشري الوراثي. كما أنه أي النفاق لا يستورد كما تستورد البضائع الأجنبية من الخارج. وهو ثقيل بحد ذاته حتى أن أية ريح تعجز عن نقله، فمن أين يأتي هذا الداء إلى مملكتنا؟
كانت رغبة الأميرة كبيرة بأن تكون مملكتها نظيفة وخالية من المنافقين لذا بدأت تقنع نفسها بأن المعلومات التي وصلتها ما هي إلا محض افتراء، وافترضت أن النفاق الذي يتحدثون عنه قد يكون عدوى حملتها ريح عاتية من بلاد بعيدة حطت ورحلت على الفور عن مملكتها. بعد أن اصطدمت بنفوس سكان المملكة الأباة الذين احتقروها وطردوها وبعد أن وجدت أن المناخ هنا غير مناسب، والتربة غير صالحة.
كادت الأميرة تطير فرحًا، فخطر النفاق غير موجود، وما سمعته لا يتعدى محض افتراء، أو عدوى لم يكتب لها البقاء والانتشار. وإن حقدها وحملتها على المنافقين لا مبرر لهما. وعزمت أمرها على أن لا تصدّق أي حديث تسمعه من اليوم فصاعدًا في هذا المجال. بعد أن تأكدت وبتجربتها من أن الجو صافٍ لا غيوم فيه ولا عواصف.
فجأة انطفأ الفانوس، وسقطت العصا من يد الأميرة، التي كانت تدّب الرعب في أوصال المنافقين الحذرين والمراقبين لكل خطوة خطتها الأميرة والذين سارعوا لارتداء ثياب الحمل الوديع. وأعلنوا الطاعة، وبدؤوا يمسحون الجوخ ويقبلون الأيادي كما يقال كل حسب خبرته ومعرفته من لحظة ابتداء حملتها ضدهم حتى باتت تظن أنهم أشبه بمعشر الملائكة، ومن طينة غير طينة البشر.
ما أن انطفأ الفانوس وسقطت العصا حتى وبسرعة البرق سرق أقرب المنافقين من الأميرة العصا وبدأت الأصوات تتعالى والنبرات تزداد حدة وقساوة بعضها يطالب بقطع اليد التي كانت تهددهم وتحمل العصا، وأخرى تطالب بسجن الأميرة مع الأشغال الشاقة، وثالث يطالب بإعدامها بحجة أنها كانت تشكل خطرًا حقيقيًا على جيش المنافقين.
كان ذلك درسًا لكل من حمل وهو أعمى العينين على النفاق وأهله.
نهاية منافق