-شكرًا لكِ، الثلّج يؤثّر على حنجرتي، وأخشى أن يبحّ صوتي.
-إذا سمحت، غرّد قليلًا، أنا أحبّ صوت الطيور.
حرّك الكروان حنجرته، وشدا، فتمايلت أغصان الوردة طربًا، صفقت أنغام ناسية البوظة فسقطت على الأرض، وذابت.
توقف الكروان، وقال:
-أأعجبك تغريدي؟
-الله... إنه رائع، ولكن أين تعلمت الغناء؟
-تعلمته في حديقة الألحان!
-وهل أستطيع أن أتعرّف إليها؟
-بالتأكيد... إنها حديقة رائعة.
ثمّ رفع الكروان رأسه إلى السّماء، وشدا بصوت عال، فجاء سرب من الكروان، يحمل سلّة قشّ صغيرة، مربوطة بخيوط ملوّنة، وقد أمسك كلّ كروان طرف خيط بمنقاره.
هبطت الكراوين بالسّلة، نطّت أنغام وجلست فيها، بينما وقف صديقها الطائر على كتفها، ثمّ طرن بها نحو السماء.
شاهدت أنغام أطفالًا يلعبون على أسطحة البيوت، كانوا صغارًا كالدمى بينما بدا النهر مثل خيط أزرق.
مرّ السرب على غيمة بيضاء، فحاولت أن تكمش بيدها قطعة صغيرة، لكنّها لم تستطع، لأن ذرّات البخار، كانت تفرّ من بين أصابعها، كالماء.
وصل السرب إلى الحديقة، أعطى الكروان أوامره بالنزول، فهبطت، قفزت أنغام من السلّة شكرت الكراوين، وسارت نحو مدخل الحديقة.
كانت حديقة الألحان، مسوّرة بأعواد القصب الصفراء، بينما كان الطريق مفروشًا بأزاهير بيضاء، أمّا الأزاهير الحمراء، فقد شكلّت خمسة خطوط متوازية.
سألت أنغام الكروان:
-ما هذه الخطوط، أيّها الصديق؟
-إنها المدرج الموسيقي!
دخلا الحديقة، فرحت الأشجار واهتزّت مصدرة أصواتًا حلوةً ناعمة.
رفعت أنغام عينيها، فشاهدت أعدادًا كبيرة من الأجراس، معلقة على الأشجار، سألت دهشةً:
-لماذا تحمل الأشجار أجراسًا؟
ابتسم الكروان وقال:
-لكي تشارك الطيور في ألحانها.
وصلت أنغام إلى ساحة الحديقة، والكروان ما يزال يقف على كتفها، فتوقفت فجأة أمام نصب كبير، له شكل غريب، التفتت إلى صديقها وسألته:
-ماهذا الشكّل؟
-إنه مفتاح صول!!
جلست أنغام على مقعد خشبي، وراحت تتأمّل بإعجاب، ذاك المفتاح الجميل. فجأة، سمعت صوتًا حزينًا، كصوت أمّها، ينبعث من ورائها، التفتت نحوه فشاهدت آلة الكمان، تقف على حافة بركة ماء، تحرّك قوسها فوق أوتارها وتصدر لحنًا شجيًّا.
طار الكروان إليها، وقف على قوسها، وسألها مستفسرًا:
-لماذا تعزفين بمفردك يا صديقي...
أين العود والطبلة؟
تأوّهت الكمان، وأجابت:
-في الصباح، عندما طرتِ إلى المدينة، جاء العود وأهانني!
-العود؟!