الصفحة 25 من 373

فأطرق والحزن يملأ عينيه وفكر طويلًا. وأدرك أنه يمكن للحياة أن تستمر فقط من خلال الجد والعمل، وأن عليه أن يعتمد على نفسه وعلى دأبه لا على ما منحته إياه الطبيعة.

سامر والقسمة على ثلاثة

سامر يخرج إلى البرية حائرًا... يسير وهو يعد: واحد، اثنان، ثلاثة.... ترى لمن يعطي هذه القطع الفضية التي معه؟... معلمه يقول له: أنت بارع في الحساب يا سامر... والمدرسة تقدم له مكافأة... جده قال له: هل تعطيها لمن يحزر؟ أو من يفكر؟ أو من يدبر؟.

مامعنى ذلك؟.. من يحزر أي من يعتمد على الحظ والمصادفة. ومن يفكر أي من يستعمل عقله أمام الأمور. أما من يدبر فلاشك أنه من يتصرف حسب ماتقتضي الظروف.

سامر لديه لكل قطعة سؤال، ومن يعرف الإجابة ينال القطعة. أخذ يمر على القرى القريبة من بلدته وكان عددها ثلاثًا.

في الأولى رأى الناس يحركون أيديهم وكأنهم يحصدون القمح.. يحركونها حركات رتيبة وبطيئة ومملة لكنهم لايتوقفون... إنه حصاد وهمي.. فلا قمح أمامهم.. ولامناجل في أيديهم.. ولاشيء سوى هذا الانهماك الفارغ كأنهم يجمعون الهواء.

عندما سأل سامر أحد المارين بالقرية وكان شيخًا وقورًا قال:

ـ هؤلاء يابني قاطفو النجوم... زارعو الأحلام، إنهم يتصورون أنهم شقوا الأرض وزرعوا، وسقوا واستنبتوا، وما عليهم الآن سوى أن يحصدوا.

وها أنت ترى أنها أحلام في أحلام... وأن الحصاد مجرد كلام... ومن زرع وهمًا حصد الكثير من الأوهام.

لم ينتبه هؤلاء الناس لسامر عندما دخل بينهم. حاول أن يحاورهم لكن أحدًا منهم لم يكلمه، ولم تتوقف أيديهم عن الدوران بينما عيونهم تتطلع إلى السماء.

تعجب سامر من حال هؤلاء الناس وسار في الطريق إلى القرية الثانية... وجد أناسًا أصحاء أشداء، عضلاتهم مفتولة، وأجسامهم قوية، وهم منهمكون في كسر الحجارة وحملها ونقلها... والعرق يتصبب من جباههم... ملامحهم جامدة كالصخر... ووجوههم مقطبة وكأنها لم تعرف الابتسام... ولاأحد منهم يتوقف دقيقة أو يستريح لحظة.

سأل سامر أحد المارين بالقرية وكان رجلًا جسيمًا قويًا فقال:

ـ هؤلاء يابني حاملو الأسرار...محطمو الأحجار... إنهم يعملون ولايتكلمون... يشقون ويتعبون ولايسألون.. همهم أن يبذلوا الجهود تلو الجهود حتى ولو لم ينالوا أي مردود... يعملون ولايتذمرون.. ويقنعون بالرغيف وحبات الزيتون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت