الصفحة 22 من 373

ـ لكنني أنا دومًا معي حلمي... فراشتي هنا في قلبي.. لا هنا في رأسي... لا هنا في عيني...

ودمعت عيناها وهي ترى أجنحة الفراش تتطاير في الهواء، وظلت تردد:

ـ آه... ما أجملها فراشة... فراشتي.

رنا البردانة

لم يعرف أحد إلى أين توجهت رنا بعد أن خرجت من المخيم لأنه لم ينتبه إليها أحد. فالجميع مشغولون بما حدث في الصباح الباكر من اعتداء جنود الاحتلال على البيوت. لقد هجموا على الأبواب فحطموها، وعلى الرجال فساقوهم إلى الساحة... أما الفتيان فلم يتركوا منهم واحدًا بل جروهم كلهم إلى السيارات العسكرية.

وصرخت النساء... وبكى الأطفال الصغار كما لو أن نارًا تحرقهم. وتعالت الأصوات من كل جانب عندما سدد جندي الرصاص على فتى رمى مجموعة الجنود بزجاجة حارقة. وقع انفجار، وتكاثر الدخان وارتمى الفتى قتيلًا.

رنا الصغيرة النحيلة كانت في الطابق العلوي في بيتهم المتهدم ورأت كل شيء... وبما أن الفتى القتيل كان ابن عمتها، وكانت تحبه كثيرًا فقد قالت في نفسها:

ـ لماذا لاأختبئ وراء ذلك السور قريبًا من السيارات العسكرية وأرمي جنود الاحتلال بالحجارة؟

ولم تشاور عمتها التي تعيش معها بعد أن ماتت أمها... ولم تشاور غيرها، فهي تدرك جيدًا أنهم لن يمانعوا ماداموا جميعًا يجابهون الأعداء.

وبسرعة دخلت رنا إلى غرفتها الخالية من الأثاث ماعدا فراش واطئ، وصندوق تضع فيه ثيابها... بحثت عن معطفها الشتوي الطويل... ولما لم تجده نثرت كل أشياء الصندوق، ثم تذكرت أنهم وضعوه تحت الفراش ليغدو سميكًا.

سحبته بعنف وارتدته والطقس صيف... والحر شديد.

تسللت وراء البيوت وأخذت تجمع ما أمكنها من الحجارة، وتضعها في جيوب المعطف. ولما وجدت أنها لم تتسع لأكثر من عدد محدود، مزقت بطانة المعطف وحشته بالحجارة الصغيرة، ثم سارت متثاقلة وليس في قدمها إلا حذاء كبير مهترئ من البلاستيك تلبسه عمتها أثناء نشر الغسيل.

ولمح أحد الجنودبنتًا صغيرة تمشي ببطء كما لو أنها تسير فوق بيض. ارتعدت عندما تقدم منها، واصفرّ لونها. قال لها:

ـ إلى أين أنت ذاهبة ياقردة؟ ألا ترين أنه ممنوع المرور؟

ارتبكت رنا، ثم نظرت بعينين مذعورتين إلى نفسها، واستجمعت جرأتها وقالت:

ـ أنا مريضة... وذاهبة لعند خالتي قرب السور، لأنه لم يعد أحد في البيت.

تأملها الجندي، ثم قال:

ـ ولماذا هذا المعطف ونحن في عز الصيف؟

قالت:

ـ إنا بردانة... مصابة بالحمى..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت