ـ أشم في كلامك رائحة القنوط المطلق يا عماه.. أرى أنهم أقاموا سورًا رهيبًا حول المدينة وأقاموا أسوارًا أرهب حول عقولكم.
ـ لو لم أكن أعرفك جيدًا يا بني... لو لم أكن أعرف والدك من قبلك لما تجاسرت على التفوه بكلمة واحدة أمامك.
ـ وكيف الخلاص يا عماه! يجب أن نعمل شيئًا من أجل خلاصنا وخلاص أهلنا..
ـ الخلاص هو في الفرار من هذه المدينة التي حلت عليها اللعنة. ثمة نفق سري لا يعرف مكانه غيري يمر تحت السور وينتهي إلى مغارة في الجبل. لقد ناضل كثيرون من الفتيان الأشداء من أجل الخلاص فكان خلاصهم شنقًا وصلبًا وتمثيلًا فظيعًا بأجسادهم. لقد أخفقت الأساليب التي استخدمت حتى الآن للخلاص منهم. وآخر محاولة للخلاص كانت تلك التي قام بها صديقي حمدان. لقد دعا الناس إلى الثورة فلبى دعوته عدد غير قليل قاتلوا ببسالة حتى هلكوا. وجرح صديقي فأخفيته وضمدت جراحه وأرشدته إلى النفق فهرب ونجا بنفسه.
ـ أنت ترشدني إلى النفق الذي يخرجني من المدينة ويبعدني إلى الأبد عن أهلها الفقراء الطيبين. وأنا أريد أن نبحث عن نفق خاص يوصلنا إلى قلوب الناس وعقولهم ويتيح لنا اجتذابهم إلى العمل معًا من أجل الخلاص العام وليس من أجل الخلاص الفردي.
ـ نم يا بني نم. وسترى المدينة غدًا فترى بعينيك ما تسمع بعضه مني الآن. لقد أرسلوك معي تحديًا لنا وليفجعوني بك كما فجعوني بأبنائي. وقد يكون من حسن حظك أنهم صاروا يستهينون بقوانا وقدرتنا على التحرك ضدهم. لقد أسكرتهم انتصاراتهم علينا إلى حد ما.
ـ سأدرس الأوضاع جيدًا يا عماه مستفيدًا من تجارب كل الذين سبقوني إلى العمل وسأتعلم من أخطائهم. تصبح على خير يا عماه!
أطفأ العم أبو ماجد المصباح فعم الظلام المكان.
استيقظ سامر باكرًا، جريًا على عادته، لكنه لبث في فراشه بعض الوقت. كان الحلم الذي رآه جميلًا عاد به إلى أيام طفولته الجميلة فلعب مع رفاقه وتراشقوا بمياه العين وحفروا أسماءهم على جذوع أشجار الحور. وتذكر سامر أن اسمه واسم صديقته الصغيرة هيفاء محفوران على جذع الشجرة التي فوق النبع تمامًا.. شعر سامر بحرقة في صدره فتنهد:"هل ما زالت تتذكرني؟ وهل تراها كبرت كثيرًا؟ أهي رشيقة القوام رائعة العينين كما كانت في طفولتها؟"ونهض مسرعًا.
بادره أبو ماجد بتحية الصباح فرد التحية وانتعل حذاءه مسرعًا.
قال أبو ماجد:
ـ أراك مستعجلًا!