ـ تقول مدينتك ولا تعرف القوانين التي تنظم الدخول إليها والخروج منها!
قال سامر:
ـ حين كنت في هذه المدينة لم تكن"القوانين"موجودة. كانت مدينتنا بلا أبواب. لأنها كانت بلا قبة كهذه..
ـ هذا يعني أنك تعيش في الغربة منذ زمن بعيد جدًا.
ـ أجل. لقد غادرت هذه المدينة منذ زمن بعيد.. ولولا ذلك الجبل وتلك الغابة، وخاصة لولا ذلك التل، لما عرفتها ولعدت أدراجي وأمضيت حياتي غريبًا.
سأله الحارس المسلح:
ـ ومن يثبت لنا أنك لا تكذب؟
ـ وما الذي يدعوني إلى الكذب!
ـ لا أدري. فقد تكون صادقًا وقد تكون كاذبًا. قد تكون جاسوسًا أرسله الأعداء متنكرًا أو قد تكون من أولئك الناس الذين يسمون الجنون حكمة.. لقد تسلل بعضهم إلى مدينتنا وحاولوا إفساد عقول أهلها وتخريب أنظمتها المقدسة.
توقف الحارس عن الكلام وضحك ضحكًا صاخبًا.
دهش سامر وسأله متلطفًا:
ـ ما الذي يضحكك؟
ـ تذكرت سحنة أحد هؤلاء. كان رجلًا يدّعي الوقار ويتظاهر بالمهابة.. ومع ذلك كان المجنون الأكبر بين جميع المجانين الذين رأيتهم في حياتي... هه، هه، هه... كان يتفوه بكلمات عجيبة غريبة يتحمس لها جدًا فتجحظ عيناه وتتقدان بلهب مخيف.. لقد عذبناه في قبو المجانين حتى الموت.. وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة خاطب الحراس والجلادين قائلًا:"أيها الحمقى، يا أجراء الطغاة المتوحشين، لقد أتيت لتحريركم من العبودية!"فتصور إلى أي حد وصل به الجنون!
أطرق سامر مفكرًا وترقرقت الدموع في عينيه... فهل صارت مدينته الحبيبة قاتلة لأبنائها الأنقياء المخلصين!
كف الحارس عن الضحك ووقف مستعدًا حين سمع صوتًا يصيح به من قرب الباب!
ـ إيه، أيها الحارس! ماذا دهاك؟ هيا، أحضر الغريب إلى هنا إن كنت قد فتشته جيدًا.
صوب الحارس سلاحه نحو سامر وأمره بقسوة:
ـ ارفع يديك وسر أمامي.. حذار، حذار من القيام بأية حركة مريبة.
نظر إليه سامر مستغربًا فصاح به:
ـ قلت لك: سر أمامي. هيا، لا تفتح فمك.
تقدم سامر رافع اليدين والحارس خلفه حتى وصلا إلى أمام باب السور. أحاط بهما عدد من الحراس المسلحين وصوبوا إلى وجه سامر ضوءًا باهرًا وسأله أحدهم:
ـ من أنت؟ وماذا تريد؟
ـ اسمي سامر. ولدت في هذه المدينة وعشت فيها طفولتي ثم غادرتها. وقد عذبني الحنين والشوق فعدت لأعيش فيها. وها أنذا بينكم وأريد الدخول إلى مدينتي.
قال أحدهم: