ـ ابتعدْ عن صُحبتهِ، فإنَّ سوءَ الخلقِ يُعدي.
ـ ولكنَّهُ يجلسُ في مقعدي، وهو أقربُ تلميذٍ إليّ!
ـ ابحثْ عن أقربِ تلميذٍ إلى قلبك.
ورنّ جرسُ البيت...
نهضْتُ مسرعًا، وفتحْتُ الباب.. فُوجئْتُ برؤيةِ أصدقائي، خالدٍ وعامرٍ وطارقٍ، أصدقاءِ الحيّ الشرقيّ، الذي تركناهُ.. طارَ قلبي فرحًا، وعانقتُهم عندَ البابِ، واحدًا واحدًا..
قضيْتُ معهم وقتًا ممتعًا، ونحنُ نتحدَّثُ عنِ الأيّامِ الماضيةِ، والذكرياتِ الجميلةِ، وحينما غادروا البيتَ، شعرْتُ أنَّهم لم يغادروا قلبي، على الرغم من ابتعادهم..
وفهمْتُ حينذاك، معنى القرابةِ بينَ القلوب!
صديق صالح
أسامةُ تلميذٌ مُجدٌّ هادئ، يحبُّهُ المعلِّمُ، ويحبُّهُ التلاميذُ، وهو يحبُّ زملاءَهُ، ويساعدُهم في كلِّ أمر، كأنَّهم إخوةٌ أعزّاء.. حدَّثْتُ أبي عنهُ، فقال:
ـ هذا يصلحُ صديقًا لك.
ـ ولكنْ لا يوجدُ تشابهٌ بيني وبينه.
ـ لماذا؟
ـ أسامةُ نحيفٌ أسمر، وأنا سمينٌ أشقر!
ضحكَ أبي، وقال:
ـ الصداقةُ عمادُها تشابهُ النفوسِ، لا تشابهُ الأجسام.
ـ سأكشفُ ما بينَ نفسينا من تشابهٍ.
ـ كيف؟
ـ سأُخبرُكَ فيما بعد.
عندما انصرفنا من المدرسة، اقترحْتُ على أسامة، أنْ يصاحبَني في نزهةٍ، فوافقَ على ذلكَ، وحدَّدْنا مكانَ اللقاءِ وزمانَهُ..
قبلَ حلولِ الموعد، استأذنْتُ أبي، وخرجْتُ من البيت، فوجدْتُ أسامةَ في المكانِ المُحدَّدِ، لم يتأخَّرْ دقيقةً واحدة.. ففرحْت.
سلَّمْتُ عليه، وسرْنا في الطريق..
شاهدْنا ولدًا يرمي مصباحًا كهربائيًّا، وقد كسرَهُ، وهرب..
غضبْتُ من فعلتهِ، وحينما نظرْتُ إلى وجهِ أسامة، وجدْتُ عليهِ الغضبَ.. ففرحْت.
تابعْنا المسيرَ، رأينا طفلةً صغيرةً، تريدُ عبورَ الشارع، كانَتْ إشارةُ المرور، حمراءَ العين، ظلَّتِ الطفلةُ واقفةً، ترنو إليها، وعندما صارَتْ خضراءَ، سارتِ الطفلةُ هادئةً آمنة..
نظرْتُ إلى وجهِ أسامة، وجدتُهُ يشرقُ سرورًا.. ففرحْت.
وصلْنا إلى الحقول، شاهدْنا فلاحًا هرمًا، ثيابُهُ مُعفَّرةٌ بالتراب، كانَ يحني ظهرَهُ، ويضعُ الغِراسَ في حُفَرٍ أعدَّها، ثمّ يُهيلُ حولَها الثرى، براحتينِ خشنتينِ حانيتين..
أُعجبْتُ بهِ كثيرًا، وسألْتُ أسامةَ:
ـ ما رأيكَ بهذا الفلاح؟
ـ أنا مُعجَبٌ بهِ كلَّ الإعجاب!
وحينما سمعْتُ هذا الجوابَ.. فرحْت.
طفْتُ أنا وأسامةُ، في أحضانِ الطبيعةِ الجميلة..
سرْنا بجانبِ نهرٍ، نمتعُ أبصارَنا برؤيتِه..
قالَ أسامةُ: