وددْتُ لو أُحادثُ أحدًا، أو يُحادثني أحدٌ، ولكنَّ ذلكَ لم يحصلْ، فشعرْتُ بوحشةٍ قاتمة، وقلْتُ في نفسي:
ـ فَقْدُ الأصدقاءِِ غُربة
وبعدَ الانصراف، مضى كلُّ تلميذٍ وصديقَهُ، وسرْتُ وراءهم وحيدًا، أرنو إليهم بحَسرة.. وفي البيت، سألَني أبي:
ـ كيف رأيْتَ مدرستكَ الجديدة؟
ـ لم أجدْ فيها أيّةَ سعادة.
ـ لماذا؟
ـ لأنَّني لا أعرفُ فيها أحدًا.
صمتَ أبي قليلًا، ثمّ قال:
ـ حينما تختفي الصداقةُ، يختفي الفرح.
ـ لا أدري متى تزولُ وحشتي!
ـ ستزولُ قريبًا يا بنيّ.
ـ كيفَ؟
ـ عندما تجدُ أصدقاءَ يُؤنسونكَ.
ـ وكيف أجدهم؟
ـ أنتَ ستختارُهم بنفسك.
وانقطعَ حوارُنا، حينما نادَتْ أُمّي:
ـ هيّا إلى الغداء!
صداقة عابرة
كنْتُ مُجدًّا في دراستي، أكتبُ وظائفي بإتقانٍ، وأحفظُ دروسي جيِّدًا، أمّا عدنانُ زميلي في المقعد، فلم يكنْ مجدًّا، بل ضعيفًا في دروسهِ، وقد أخذَ يُظهرُ لي مودَّتَهُ، ويعرضُ عليَّ صداقتَهُ، فقبلْتُ مسرورًا، وكسبْتُ صديقًا يُؤنسني، ويزيلُ عنِّي وحشتي، في مدرستي الجديدة. وهكذا صرْتُ أنا وعدنان صديقينِ حميمين..
ذاتَ يومٍ، وقبلَ الاختبارِ الكتابيِّ، قالَ لي عدنانُ مُتوسِّلًا:
ـ لا تُخبِّئْ ورقتَكَ عندَ الكتابة، ولا تُدرْ لي ظهرَكَ.
ـ لن أُخبِّئَ ورقتي، ولن أُديرَ ظهري.
وقبلَ أنْ أسألَهُ عنِ السببِ، دخل المعلِّمُ الصفَّ، وكتبَ الأسئلةَ على السبّورة، وبدأنا نُجيبُ عنها..
بعدَ انتهاءِ الاختبار، وتسليمِ الأوراق، سألْتُ عدنانَ:
ـ كيفَ كان اختبارُكَ؟
قال بفرحٍ غامرٍ:
ـ كان جيِّدًا جدًّا!
وعندَ توزيعِ الدرجات، نلْتُ أنا وعدنان درجاتٍ عالية..
وجاءَ اختبارٌ آخر، حدثَ فيه ما لم يكنْ في الحسبان، فقد ضبطَ المعلِّمُ صديقيَ عدنان، وهو يختلسُ النظرَ إلى ورقتي، وينقلُ كلَّ ما أكتبُهُ، كلمةً كلمة..
وازنَ المعلِّمُ بينَ الورقتينِ، فوجدَ التشابهَ ظاهرًا، حتّى الكلمةُ المشطوبةُ في ورقتي، كانَ عدنانُ يشطبُها في ورقتِهِ!
وبَّخَهُ المعلِّمُ توبيخًا عنيفًا، ثمَّ وضعَ له درجةَ الصفر، ونقلَهُ إلى مقعد آخر.
قلْتُ في نفسي: الآنَ عرفْتُ لماذا طلبَ إليَّ ألاّ أُخبِّئَ ورقتي، ولا أُديرَ ظهري!
بعدَ انتقالِ عدنان من مقعدي، صادقَ زميلَهُ في المقعدِ الجديد، وقطعَ صِلتَهُ بي، وحينما عاتبتُهُ على ذلك، وسألتُهُ:
ـ هل أسأتُ إليكَ بشيء؟
لم يُجبْ عن سؤالي، بل أعرضَ عنِّي بوجههِ، وتركَني واقفًا، وانصرف..