الصفحة 132 من 373

وقفَتْ فوقَ رأسهِ صامتةً، لم تطلبْ إليهِ أنْ يدرسَ، حسبَتْهُ يقولُ لها:

ـ كيف أدرسُ، وأنا نائم؟!

الرسالة

غزوان يعرفُ أنَّ أُمَّهُ لا تقرأ، ولا تكتبُ، لذلكَ كانَ كلَّما سألتْهُ عن دراستهِ، أجابها قائلًا:

ـ دراستي جيِّدةٌ جدًّا!

فتفرحُ الأُمُّ، ويفرحُ غزوان..

ولكنَّ الأمَّ اكتشفَتْ أخيرًا، أنَّ ابنها غزوان كسلان.

ـ كيف حدثَ ذلك؟

جاءتْها رسالةٌ من زوجها، الذي يعملُ خارجَ بلدِهِ، ففرحَتْ بها كثيرًا، وحينما فضَّتْها، ونظرَتْ إلى حروفها، اكتسى وجهُها بالحزن، لأنَّها لم تفهمْ منها شيئًا، فقعدَتْ تنتظرُ بصبرٍ فارغٍ، عودةَ ابنها غزوان..

وعادَ غزوانُ من مدرستهِ، يسألُ ملهوفًا:

ـ أينَ الطعام؟

ـ الطعامُ جاهز.

ـ أحضريهِ فَوْرًا.

ـ لن أُحضرَهُ حتّى تقرأَ الرسالة.

ـ أيّةَ رسالةٍ؟

ـ رسالةَ والدكَ.

ـ متى وصلَتْ؟

ـ اليوم.

غامَ وجهُ غزوان، فسألَتْهُ أُمُّهُ:

ـ ما بكَ؟

ـ لا شيء.

ـ خذْ, اقرأْ لنا ما كتبَهُ أبوك.

أخذَ غزوانُ الرسالةَ، بيد راعشةٍ, وبدأ يُحدِّقُ إلى كلماتها، ويُحرِّكُ شفتيهِ، بصوتٍ خافت..

ـ لماذا لا ترفعُ صوتَكَ؟

ـ سأُهجِّي الكلماتِ أوَّلًا.

ـ سأنتظرُكَ، على مَهلكَ.

طالَ انتظارُ الأُمِّ، ونفدَ صبرُها، فقالَتْ:

ـ ما لكَ؟.. اقرأْ.

قرأَ غزوانُ بضعَ كلماتٍ، أكلَ بعضَ حروفها، وبدَّلَ بعضَها الآخرَ، فخرجَتْ مُبهمةً غامضة..

قالَتِ الأُمُّ:

ـ لم أفهمْ شيئًا ممّا قلت!

ـ أبي بصحّةٍ جيِّدة، ويهدينا السلام.

ـ هذا كلُّ ما في الرسالة؟!

ـ نعم.

ـ اقرأْها لي كلمةً كلمة.

ـ لم نتعلَّمْ في المدرسة قراءةَ الرسائل!

هزَّتِ الأُمُّ رأسَها، وقالَتْ غاضبةً:

ـ هاتِ الرسالة.

أعطاها غزوانُ الرسالةَ، فشعرَ أنَّ كابوسًا ثقيلًا، قد انزاحَ عن صدرِه، وأقبلَ على طعامهِ، يلتهمهُ التهامًا..

تركَتْهُ أُمُّهُ يأكلُ، وخرجَتْ من البيت.. وحينما عادَتْ، سألَتِ ابنها:

ـ بنتُ خالتكَ سلمى في أيِّ صفّ؟

ـ في الصفِّ الخامس.

ـ لقد قرأتْ ليَ الرسالةَ بسهولة!

ـ خطُّ أبي صعب.

ـ صعبٌ على كسلان مثلك.

صمتَ غزوان، وتابَعتِ الأمُّ قائلةً:

ـ ولكنَّني لن أظلَّ محتاجةً إليك.

ـ ماذا ستفعلينَ؟

ـ سأتعلَّمُ القراءةَ والكتابةَ، في مدرسة الأمّيين.

ـ هل تمزحين؟

ـ أنا لا أمزحُ، وسوفَ ترى.

ونفَّذَتِ الأُمُّ، ما عزمَتْ عليهِ، وصارَ غزوانُ، يراها كلَّ يومٍ تقرأُ، وتكتبُ، لا تملُّ، ولا تتعبُ،

فقال لها:

ـ إذا صعُبَ عليكِ شيءٌ فاسأليني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت