لقد كان فقه ذي القرنين في التعامل مع الشعوب المستضعفة هو السعي الجاد لنقلها من الجهل والتخلف والكسل والضعف إلى العلم والتقدم والنشاط والقوة ، فكان يدير العمل بروح الجماعة ، ويشترك بنفسه مع إشراك غيره ، ويدل على ذلك ضمير المتكلم الذي يتقابل في تسلسل متتابع رفيع مع ضمير المخاطب في النظم القرآني الكريم مما يشير إلى روح الحماس والحيوية والتعاون المشترك (57) : ( قال ما مكني فيه ربي خير ، فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردمًا. آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا، حتى إذا جعله نارًا قال آتوني أفرغ عليه قطرًا) [ سورة الكهف: آية 95-96] . لقد كان ذو القرنين حريصًا على مصلحة الناس ، ناصحًا لهم فيما يعود عليهم بالنفع ، ولهذا طلب منهم المعونة الجسدية ، لما في ذلك تنشيط لهم ورفع لمعنوياتهم (58) . ومن نصحه وإخلاصه لهم ، أنه بذل ما في الوسع والخدمة أكثر مما كانوا يطلبون فهم طلبوا منه أن يجعل بينهم وبين القوم المفسدين سدًا ، أما هو فقد وعد بأن يجعل بينهم ردمًا (والردم هو الحاجز الحصين ، والحجاب المتين ، وهو أكبر من السد وأوثق ، فوعدهم بفوق ما يرجون) (59) .
لقد عفّ ذو القرنين عن أموال المستضعفين وشرع في تعليمهم النشاط والعمل والكسب والسعي ، فقال لهم: (فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردمًا) [ سورة الكهف: 95] ، إن هذه العبارة القرآنية معلم بارز في تضافر الجهود وتوحيد الطاقات والقدرات والقوى.. إن القيادة الحكيمة هي التي تستطيع أن تفجر طاقات المجتمع وتوجهه نحو التكامل لتحقيق الخير والغايات المنشودة.