الصفحة 11 من 34

ولم يعين السياق القوم الذين اتخذ فيهم ذو القرنين هذه السياسة الحكيمة ، كما أهمل ذكر المدة التي مكثها بينهم والنتائج التي توصل إليها ، وكأن الأمر المفروغ منه أن تثمر هذه السيرة العادلة ، والمبادئ السامية حضارة ربانية وتقدمًا وسعادة وطمأنينة لذا لا داعي لذكرها والوقوف عندها (52) .

2-الرحلة الثانية: وهي رحلة المشرق حيث يصل إلى مكان يبرز لعين الرائي أن الشمس تطلع من خلف الأفق ، ولم يحدد السياق أهو بحر أم يابسة ، إلا أن القوم الذين كانوا عند مطلع الشمس كانوا في أرض مكشوفة بحيث لا يحجبهم عند شرقها مرتفعات جبلية أو أشجار سامقة ، وذهب الشيخ محمد متولى شعراوي إلى أن المقصود ( لم نجعل لهم من دونها سترًا) هي بلاد القطب الذي تكون فيه الشمس ستة شهور لا تغيب ، وطوال هذه الشهور لا يوجد ظلام يستر الشمس في هذه الأماكن (53) . ونظرًا لوضوح سياسة ذي القرنين في الشعوب التي تمكّن منها ، وهو الدستور المعلن في رحلة الغرب لم يكرر هنا إعلان مبادئه ، لأنها منهج حياة ودستور دولة مترامية الأطراف وسياسة أمم فهو ملتزم بها أينما حل أو ارتحل (54) .

3-الرحلة الثالثة: تختلف عن الرحلتين السابقتين من حيث طبيعة الأرض والتعامل مع البشر سكّان المنطقة ، ومن حيث الأعمال التي قام بها فلم يقتصر فيها على الأعمال الجهادية لكبح جماح الأشرار والمفسدين ، بل قام بعمل عمراني هائل. أما الأرض فوعرة المسالك ، وأما السكّان - وكأن وعورة الأرض قد أثرت على طباعهم وطريقة تخاطبهم مع غيرهم - فهناك صعوبة في التفاهم والمخاطبة بحيث لا يكاد الإنسان منهم يقدر على التعبير عما في نفسه ، ولا أن يفقه ما يحدثه به غيره من غير بني قومه (وجد من دونهما قومًا لا يكادون يفقهون قولًا) إما في أسلوب التخاطب والتعامل - كما أسلفنا - أو من التخلف الحضاري والبدائية في العادات والمفاهيم والمصطلحات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت