فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 234

تَوَكَّلُوا إِن كُنْتُمْ مُسْلِمِين [يونس:84] فجعل دليل صحة الإسلام التوكل، وقال تعالى: {وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران:122،160] [المائدة:11] [التوبة:51] [إبراهيم:11] [المجادلة:10] [التغابن:13] ،فذكر اسم الإيمان هاهنا دون سائر أسمائهم دليل على استدعاءِ الإيمان للتوكل، وإن قوة التوكل وضعفه بحسب قوة الإيمان وضعفه، وكلما قوى إيمان العبد كان توكله أقوى، وإذا ضعف الإيمان ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفًا، فهو دليل على ضعف الإيمان ولا بد، والله تعالى يجمع بين التوكل والعبادة وبين التوكل والإيمان، وبين التوكل والإسلام، وبين التوكل والتقوى، وبين التوكل والهداية] [1] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: [فَالْقَلْبُ لَا يَتَوَكَّلُ إلَّا عَلَى مَنْ يَرْجُوهُ، فَمَنْ رَجَا قُوَّتَهُ أَوْ عَمَلَهُ أَوْ عِلْمَهُ أَوْ أَوْ صَدِيقَهُ أَوْ قَرَابَتَهُ أَوْ شَيْخَهُ أَوْ مِلْكَهُ أَوْ مَالَهُ غَيْرَ نَاظِرٍ إلَى اللَّهِ كَانَ فِيهِ نَوْعُ تَوَكُّلٍ عَلَى ذَلِكَ السَّبَبِ، وَمَا رَجَا أَحَدٌ مَخْلُوقًا أَوْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ إلَّا خَابَ ظَنُّهُ فِيهِ فَإِنَّهُ مُشْرِكٌ: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج:31] .] [2] .

قلت: الشرك في الأسباب في التوكل هو أن تعتمد على المخلوق أو على من لا يقدر عليه إلا الله تعالى وحده، كمن يتوكل على الأموات والطواغيت في رجاء مطلوبه من نصر أو رزق، وكمن يأخذ بالأسباب ويعتقد أنها الفاعلة، كمن يتعاطى الدواء ويعتقد أنه الشافي، وكمن يُعدُّ العدة من الرجال والسلاح ويعتقد أنها سبب النصر وحدها.

وهذا يجعلنا نتكلم عن علاقة التوكل بالأخذ بالأسباب، قال ابن رجب: [وَاعْلَمْ أَنَّ تَحْقِيقَ التَّوَكُّلِ لَا يُنَافِي السَّعْيَ فِي الْأَسْبَابِ الَّتِي قَدَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمَقْدُورَاتِ بِهَا، وَجَرَتْ سُنَّتُهُ فِي خَلْقِهِ بِذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِتَعَاطِي الْأَسْبَابِ مَعَ أَمْرِهِ بِالتَّوَكُّلِ، فَالسَّعْيُ فِي الْأَسْبَابِ بِالْجَوَارِحِ طَاعَةٌ لَهُ، وَالتَّوَكُّلُ بِالْقَلْبِ عَلَيْهِ إِيمَانٌ بِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء:71] [النِّسَاءِ:71] ،وَقَالَ تَعَالَى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا

(1) - طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص:255)

(2) - الفتاوى الكبرى لابن تيمية (5/ 232)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت