يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} [المسد:2] . [1]
قال ابن حجر: [قَوْلُهُ أَرَأَيْتُكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ إِلَخْ أَرَادَ بِذَلِكَ تَقْرِيرَهُمْ بِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ صِدْقَهُ إِذَا أَخْبَرَ عَنِ الْأَمْرِ الْغَائِبِ] [2] .
إن هذا الدين لن يقوم إلا بالجهاد، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «لَنْ يَبْرَحَ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا، يُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» [3]
وإن الجهاد لا يقوم إلا بالجماعة (عصابة من المسلمين) ،وإن الجماعة لا تتكون إلا بالدعوة {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} [الأنفال:65] ،وإن الدعوة تعتمد على الثقة في الداعي وصدقِه كما في الحديث السابق «مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلا صِدْقًا» .
(1) - صحيح البخاري (6/ 111) (4770)
[ش (رسولا) من يستطلع له الخبر. (أرأيتكم) أخبروني. (خيلا) عليها فرسان يركبونها. (تغير) تهجم وتوقع بكم. (بين يدي) قدام]
(2) - فتح الباري لابن حجر (8/ 503)
(3) - صحيح مسلم (3/ 1524) 172 - (1922)
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:لَنْ يَبْرَحَ) :أَيْ لَا يَزَالُ (هَذَا الدِّينُ قَائِمًا يُقَاتِلُ) :بِالتَّذْكِيرِ وَيَجُوزُ تَأْنِيثُهُ ; أَيْ يُجَاهِدُ (عَلَيْهِ) :أَيْ عَلَى الدِّينِ (عِصَابَةٌ) :بِكَسْرِ أَوَّلِهِ ; أَيْ جَمَاعَةٌ (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) :وَالْمَعْنَى لَا يَخْلُو وَجْهُ الْأَرْضِ مِنَ الْجِهَادِ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَاحِيَةٍ يَكُونُ فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى (حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ) :يَقْرُبَ قِيَامُهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: جُمْلَةُ يُقَاتِلُ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيَانٌ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى، وَعَدَّاهُ بِعَلَى لِتَضْمِينِهِ مَعْنَى يُظَاهِرُ ; أَيْ يُظَاهِرُونَ بِالْمُقَاتَلَةِ عَلَى أَعْدَاءِ الدِّينِ يَعْنِي: إِنَّ هَذَا الدِّينَ لَمْ يَزَلْ قَائِمًا بِسَبَبِ مُقَاتَلَةِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ، وَمَا أَظُنُّ هَذِهِ الْعِصَابَةَ إِلَّا الْفِئَةَ الْمَنْصُورَةَ بِالشَّامِ، وَفِي نُسَخِهٍ زِيَادَةُ بِالْمَغْرِبِ قُلْتُ: وَالْأَغْلَبُ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِالرُّومِ نَصَرَهُمُ اللَّهُ وَخَذَلَ أَعْدَاءَهُمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ لَا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. قِيلَ: هُمْ أَهْلُ الشَّامِ وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ. قُلْتُ: فِيهِ بَحَثٌ فَإِنَّ أَهْلَ الْمَغْرِبِ ; أَيْضًا وَغَيْرَهُمْ يُحَارِبُونَ الْكُفَّارَ ; أَيَّدَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. فَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّائِفَةِ الْجَمَاعَةُ الْمُجَاهِدَةُ لَا عَلَى التَّعْيِينِ، فَإِنَّ فِيمَا وَرَاءَ النَّهْرِ ; أَيْضًا طَائِفَةٌ يُقَاتِلُونَ الْكَفَرَةَ قَوَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَجَزَى الْمُجَاهِدِينَ عَنَّا خَيْرًا حَيْثُ قَامُوا بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ وَأُعْطُوا التَّوْفِيقَ وَالْعِنَايَةَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيهِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ فَإِنَّ هَذَا الْوَصْفَ لَمْ يَزَلْ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ زَمَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْآنَ، وَلَا يَزَالُ حَتَّى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى اه. وَهُوَ لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ خَبَرًا مَعْنَاهُ الْأَمْرُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] فَإِنَّا مَأْمُورُونَ وُجُوبًا أَنْ نَحْفَظَ الْقُرْآنَ بِالْقِرَاءَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَلَى سَبِيلِ الْكِفَايَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2462)