الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا». [1]
وليس هذا بمقام بسط الحديث في الصدق، وإنما أردت هنا التنبيه على مسألة الصدق في العمل الإسلامي والدعوة الإسلامية. حيث تفتقر الساحة الإسلامية المعاصرة إلى الصدق، يعرف هذا من يعايش هذه الساحة ودعاتها معايشة عميقة. فما يقال للمسلمين على ألسنة بعض الدعاة كثير منه كذب متعمد خاصة فيما يتعلق بنصرة الطواغيت وأنظمتهم بتحريف الكلم عن مواضعه ولَبْس الحق بالباطل، ومن هؤلاء الدعاة من تُسَلَّط عليه الأضواء وتُضْفَى عليه الألقاب وتُفْرَد له الصفحات الطوال ليقوم بمهمته الشيطانية وعن أبي إِدْرِيسَ الخَوْلاَنِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ، يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ
(1) - صحيح مسلم (4/ 2013) 105 - (2607) وصحيح البخاري (8/ 25) (6094)
[ش (يهدي) يوصل. (البر) اسم جامع لكل خير أي العمل الصالح الخالص من كل ذم. (ليصدق) يعتاد الصدق في كل أمر. (صديقا) يصبح الصدق صفة ذاتية له فيدخل في زمرة الصديقين ويستحق ثوابهم. (الفجور) اسم جامع لكل شر أي الميل إلى الفساد والانطلاق إلى المعاصي. (يكتب) يحكم له (كذابا) صيغة مبالغة من الكذب وهو من يصبح الكذب صفة ملازمة له]
«وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ» ) أَيِ: الْزَمُوا الصِّدْقَ، وَهُوَ الْإِخْبَارُ عَلَى وَفْقِ مَا فِي الْوَاقِعِ (فَإِنَّ الصِّدْقَ) أَيْ: عَلَى وَجْهِ مُلَازَمَتِهِ وَمُدَاوَمَتِهِ (يَهْدِي) أَيْ: صَاحِبَهُ (إِلَى الْبِرِّ) بِكَسْرِ الْبَاءِ وَهُوَ جَامِعُ الْخَيْرَاتِ مِنِ اكْتِسَابِ الْحَسَنَاتِ وَاجْتِنَابِ السَّيِّئَاتِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْعَمَلِ الْخَالِصِ الدَّائِمِ الْمُسْتَمِرِّ مَعَهُ إِلَى الْمَوْتِ (وَإِنَّ الْبَرَّ يَهْدِي) أَيْ: يُوصِلُ صَاحِبَهُ (إِلَى الْجَنَّةِ) أَيْ: مَرَاتِبِهَا الْعَالِيَةِ وَدَرَجَاتِهَا. الْغَالِيَةِ (وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ) أَيِ: الشَّخْصُ (يَصْدُقُ) أَيْ: فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ (وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ) أَيْ: يُبَالِغُ وَيَجْتَهِدُ فِيهِ (حَتَّى يُكْتَبَ) أَيْ: يُثْبَتَ (عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا) بِكَسْرِ الصَّادِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ: مُبَالِغًا فِي الصِّدْقِ، فَفِي الْقَامُوسِ: الصِّدِّيقُ مَا يَتَكَرَّرُ مِنْهُ الصِّدْقُ حَتَّى يَسْتَحِقَّ اسْمَ الْمُبَالَغَةِ فِي الصِّدْقِ، وَفِي الْحَدِيثِ إِشْعَارٌ بِحُسْنِ خَاتِمَتِهِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الصِّدِّيقَ يَكُونُ مَأْمُونَ الْعَاقِبَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْكِتَابَةِ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَإِظْهَارُهُ لِلْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَإِلْقَاءُ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ ( «وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ» ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَفْصَحُ ( «فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ» ) :بِضَمِّ الْفَاءِ أَيِ: الْمَيْلِ عَنِ الصِّدْقِ وَالْحَقِّ وَالِانْبِعَاثِ فِي الْمَعَاصِي، وَهُوَ أَظْهَرُ لِلْمُقَابَلَةِ بِالْبَرِّ. وَفِي الْقَامُوسِ: فَجَرَ: فَسَقَ، وَكَذَبَ وَكَذَّبَ وَعَصَى وَخَالَفَ. ( «وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ، عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» ) .قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمَعْنَى"يُكْتَبَ"هُنَا يُحْكَمُ لَهُ لِذَلِكَ وَيَسْتَحِقُّ الْوَصْفَ بِمَنْزِلَةِ الصِّدِّيقِينَ وَثَوَابِهِمْ أَوْ صِفَةَ الْكَذَّابِ وَعِقَابِهِمْ، وَالْمُرَادُ إِظْهَارُ ذَلِكَ لِلْمَخْلُوقِينَ، وَإِمَّا بِأَنْ يُكْتَبَ اسْمُهُ بِخَطِّ الْمُصَنِّفِينَ حَتَّى يُوضَعَ لَهُ الْقَبُولُ، أَوِ الْبَغْضَاءُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (7/ 3029)