إن الغيظ وقر على النفس حين تكظمه وشواظ يلفح القلب ودخان يغشى الضمير .. فأما حين تصفح النفس ويعفو القلب، فهو الانطلاق من ذلك الوقر، والرفرفة في آفاق النور، والبرد في القلب، والسلام في الضمير.
«وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» .. والذين يجودون بالمال في السراء والضراء محسنون. والذين يجودون بالعفو والسماحة بعد الغيظ والكظم محسنون .. والله «يُحِبُّ» المحسنين .. والحب هنا هو التعبير الودود الحاني المشرق المنير، الذي يتناسق مع ذلك الجو اللطيف الوضيء الكريم .. ومن حب الله للإحسان وللمحسنين، ينطلق حب الإحسان في قلوب أحبائه. وتنبثق الرغبة الدافعة في هذه القلوب .. فليس هو مجرد التعبير الموحي، ولكنها الحقيقة كذلك وراء التعبير! والجماعة التي يحبها الله، وتحب الله .. والتي تشيع فيها السماحة واليسر والطلاقة من الإحن والأضغان .. هي جماعة متضامة، وجماعة متآخية، وجماعة قوية. ومن ثم علاقة هذا التوجيه بالمعركة في الميدان والمعركة في الحياة على السواء في هذا السياق! [1]
ومع هذا الأجر الذي يناله المسلم بالصبر على أذى إخوانه، فإن هناك فائدة أخرى يحصل عليها المسلم بمخالطة الناس وهي أنه يعرف آفات نفسه فمن كان سريع الغضب لا يدرك هذا من نفسه ما لم يخالط الناس ويتعرض لأذاهم، فإن فعل، أدرك آفات نفسه وسعى في تقويمها. وهكذا كثير من آفات النفس لا يدركها العبد إلا بالمخالطة.
وقد أردت التنبيه على هذا الأمر خاصة وأن كثيرا من المسلمين يصبرون على أذى الأعداء ولا يصبرون على أذى إخوانهم، كما قال الشاعر:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهنّد.
فأردت أن أعلمهم بأن الصبر على أذى الإخوة واجب، وأننا نتعبد بالصبر على غيره، ونرجو به الأجر والثواب من الله تعالى.
وهنا تنبيه آخر متعلق بسابقه، وهو أن سوء سلوك بعض الإخوة قد يدفع بالبعض الآخر إلى ترك ميدان الجهاد بحجة أنه لا يجوز الجهاد مع مثل هؤلاء، أو أنه لا فائدة من الجهاد
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:775)