فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 234

ومن أهم ما يدخل في الصبر، الصبر على أذى الإخوة رفاق الطريق، فإن ميدان الجهاد يجمع مسلمين على مستويات تربوية متفاوتةـ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله تعالى، ولابد من أن يتعايشوا معا من أجل المصلحة الشرعية العليا وهي جهاد أعداء الدين، فنوصي الظالم لنفسه بأن يتقي الله في نفسه وفي إخوانه ونوصي الكل بالصبر على أذى إخوانهم، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» [1] .

(1) - سنن الترمذي ت شاكر (4/ 662) (2507) وسنن ابن ماجه (2/ 1338) (4032) صحيح

فِيهِ فَضِيلَةُ الْخِلْطَةِ عَلَى الْعُزْلَةِ، وَذَلِكَ مِمَّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ وَأَهْلِهِمَا مَعَ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي آدَابِ الصُّحْبَةِ، فَفِي الْأَحْيَاءِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُخَالَطَةِ وَالْعُزْلَةِ، وَتَفْضِيلِ أَحَدِهَا عَلَى الْآخَرِ فَقَالَ أَكْثَرُ التَّابِعِينَ: بِاسْتِحْبَابِ الْمُخَالَطَةِ وَاسْتِكْثَارِ الْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ لِلتَّأَلُّفِ وَالتَّحَبُّبِ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا تَعَاوُنًا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْإِخْوَانِ، فَإِنَّهُمْ عُدَّةٌ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ النَّارِ: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ - وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} [الشعراء:100 - 101] ،وَهَذَا الْحَدِيثُ أَدَّلُ شَيْءٍ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْمُخَالَطَةِ، وَمَالَ أَكْثَرُ الْعُبَّادِ وَالزُّهَّادِ إِلَى اخْتِيَارِ الْعُزْلَةِ وَتَفْضِيلِهَا عَلَى الْمُخَالَطَةِ، وَعَلَيْهِ الْفُضَيْلُ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: خُذُوا بِحَظِّكُمْ مِنَ الْعُزْلَةِ، وَقَالَ فُضَيْلٌ: كَفَى بِاللَّهِ مُحِبًّا وَبِالْقُرْآنِ مُؤْنِسًا وَبِالْمَوْتِ وَاعِظًا، اتَّخِذِ اللَّهَ صَاحَبًا وَدَعِ النَّاسَ جَانِبًا، وَأَوْصَى دَاوُدُ الطَّائِيُّ أَبَا الرَّبِيعِ فَقَالَ: صُمْ مِنَ الدُّنْيَا وَاجْعَلْ فِطْرَكَ الْآخِرَةَ، وَفِرَّ مِنَ النَّاسِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ، وَقَالَ وَهْبُ بْنُ الْوَرْدِ: بَلَغَنَا أَنَّ الْحِكْمَةَ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي الصَّمْتِ، وَالْعَاشِرُ فِي عُزْلَةِ النَّاسِ، وَدَخَلَ عَلَى حَاتِمٍ الْأَصَمِّ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ فَقَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: أَنْ لَا تَرَانِي. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَفْضَلُ الْمَجَالِسِ مَجْلِسٌ فِي قَعْرِ بَيْتِكَ أَنْ لَا تَرَى وَلَا تُرَى، وَقِيلَ: آدَابُ الْعُزْلَةِ أَرْبَعَةٌ: أَنْ يَنْوِيَ بِهَا كَفَّ شَرِّهِ أَوَّلًا. ثُمَّ السَّلَامَةُ مِنَ الشَّرِّ ثَانِيًا، ثُمَّ الْخَلَاصُ مِنَ الْإِخْلَاصِ بِالْحُقُوقِ ثَالِثًا، ثُمَّ التَّجَرُّدُ بِكُنْهِ الْهِمَّةِ لِلْعِبَادَةِ رَابِعًا اهـ.

وَالْمُخْتَارُ هُوَ التَّوَسُّطُ بَيْنَ الْعُزْلَةِ عَنْ أَكْثَرِ النَّاسِ وَعَوَامِّهِمْ، وَالْخِلْطَةُ بِالصَّالِحِينَ مِنْهُمْ وَخَوَاصِّهِمْ، وَالِاجْتِمَاعُ مَعَ عَامَّتِهِمْ فِي نَحْوِ جُمْعَتِهِمْ وَجَمَاعَتِهِمْ بَعْدَ حُصُولِ الْعِلْمِ الْمُحْتَاجِ إِلَى الْعَمَلِ، وَوُصُولِ الزُّهْدِ الْمُوجِبِ لِقَطْعِ الطَّمَعِ عَنِ الْخُلُقِ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: الْعُزْلَةُ بِغَيْرِ عَيْنِ الْعِلْمِ زَلَّةٌ وَبِغَيْرِ زَايِ الزُّهْدِ عِلَّةٌ، وَهَذَا طَرِيقُ الْكُمَّلِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ الصَّفِيَّةِ كَالنَّقْشَبَنْدِيَّةِ وَالشَّاذِلِيَّةِ وَالْبَكْرِيَّةِ فَهُمْ كَائِنُونَ بَائِنُونَ قَرِيبُونَ غَرِيبُونَ فَرْشِيُّونَ عَرْشِيُّونَ، كَمَا قِيلَ: كُنْ وَسَطًا وَامْشِ جَانِبًا. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3180)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت