آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَيْ: يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، ويَدْعون بقُرْب الْفَرَجِ وَالْمَخْرَجِ، عِنْدَ ضِيقِ الْحَالِ وَالشِّدَّةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} كَمَا قَالَ: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشَّرْحِ:5،6] .
وَكَمَا تَكُونُ الشِّدَّةُ يَنْزِلُ مِنَ النَّصْرِ مثلُها؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} وَفِي حَدِيثِ أَبِي رَزين: قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَكَ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ؟ قَالَ: فَضَحِكَ، لَعَمْرُ اللَّهِ، وَهَزَّ رَأْسَهُ وَعَلِمَ أَنِّي أَبْتَغِي سَقَطَهُ وَقَالَ: «ضَنَّ رَبُّكَ بِمَفَاتِيحِ خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ» وَأَشَارَ بِيَدِهِ فَقُلْتُ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «قَدْ عَلِمَ مَتَى مَنِيَّةُ أَحَدِكُمْ وَلَا تَعْلَمُونَ، وَعَلِمَ الْمَنِيَّ حِينَ يَكُونُ فِي الرَّحِمِ وَلَا تَعْلَمُونَهُ، وَعَلِمَ مَا فِي غَدٍ، قَدْ عَلِمَ مَا أَنْتَ طَاعِمٌ غَدًا وَلَا تَعْلَمُ، وَيَعْلَمُ يَوْمَ الْغَيْثِ لَيُشْرِفَ عَلَيْكُمْ آزِلِينَ مُشْفِقِينَ فَيَظَلُّ يَضْحَكُ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ غَوْثَكُمْ قَرِيبٌ» .قَالَ لَقِيطٌ: فَقُلْتُ: لَنْ نَعْدَمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا. [1] الْحَدِيثَ [2] .
قلت: وقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} يدل على أن هذا الابتلاء بالبأساء والضراء والزلزلة سنة قدرية، وقعت لمن كان قبلنا، وستقع لنا، ولابد، وهي من مقدمات النصر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «يَا غُلَامُ، احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ بِاللهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ
(1) - السنة لابن أبي عاصم (1/ 286) (السنة لابن أبي عاصم(1/ 286) (636) حسن لغيره
قالَ أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ مِنْ كِتَابِهِ:"أَنَّ الضَّحِكَ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ بِمَعْنَى الْبَيَانِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: ضَحِكَتِ الْأَرْضُ إِذَا أَنْبَتَتْ، لِأَنَّهَا تُبْدِي عَنْ حَسَنِ النَّبَاتِ وَتَنْفَتِقُ عَنِ الزَّهْرِ، كَمَا يَنْفَتِقُ الضَّاحِكُ عَنِ الثَّغْرِ، وَيُقَالُ: ضَحِكْتِ الطَّلْعَةُ إِذَا بَدَا مَا كَانَ فِيهَا مُسْتَخْبِيًا. قَالَ الشَّاعِرُ: وَضَحِكَ الْمُزْنُ بِهَا ثُمَّ بَكَى، يُرِيدُ بِالضَّحِكِ إِظْهَارَ الْبَرْقِ، وَبِبُكَائِهِ الْمَطَرَ"،وعَنْ سَعْدٍ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَرَضَ فِي الْمَسْجِدِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ جَلِيلٌ، فِي بَصَرِهِ بَعْضُ الضَّعْفِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ حُمَيْدٌ يَدْعُوهُ، قَالَ: فَلَمَّا أَقْبَلَ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، أَوْسِعْ لَهُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَإِنَّ هَذَا رَجُلٌ قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ. قَالَ: فَأَوْسَعْتُ لَهُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَقَالَ لَهُ حُمَيْدٌ: الْحَدِيثُ الَّذِي سَمِعْتُكَ تَذْكُرُ أَنَّكَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنْشِئُ السَّحَابَ فَيَنْطِقُ أَحْسَنَ الْمِنْطَقِ، وَيَضْحَكُ أَحْسَنَ الضَّحِكِ» .وَفِي هَذَا تَأْكِيدُ مَا ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: فَمَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم: «يَضْحَكُ اللَّهُ» .أَيْ: «يُبَيِّنْ وَيُبْدِي مِنْ فَضْلِهِ وَنِعَمِهِ مَا يَكُونُ جَزَاءً لِعَبْدِهِ الَّذِي رَضِيَ عَمَلَهُ» الأسماء والصفات للبيهقي (2/ 411) (987) فما بعدها
(2) - تفسير ابن كثير ت سلامة (1/ 571)