بِالذِّكْرِ، بَذَلُوا لِلَّهِ تَعَالَى دِمَاءَهُمْ حِينَ اشْتَرَاهُمْ، وَبَذَلُوا لِلَّهِ أَمْوَالَهُمْ حِينَ اسْتَقْرَضَهُمْ، لَمْ يَكُنْ خَوْفُهُمْ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، حَسُنَتْ أَخْلَاقُهُمْ وَهَانَتْ مَؤُنَتُهُمْ، كَفَاهُمُ الْيَسِيرُ مِنْ دُنْيَاهُمْ إِلَى آخِرَتِهِمْ. وَأَمَّا أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ، وَهَرِمُ بْنُ حَيَّانَ، فَإِنَّ أَهْلَهُ ظَنُّوا أَنَّهُ مَجْنُونٌ، فَبَنَوْا لَهُ بَيْتًا عِنْدَ بَابَ دَارِهِمْ، فَكَانَتْ تَأْتِي عَلَيْهِ السَّنَةُ وَالْسَنَتَانِ لَا يَرَوْنَ لَهُ وَجْهًا، فَكَانَ طَعَامُهُ مَا يَلْتَقِطُ مِنَ النَّوَى، فَإِذَا أَمْسَى بَاعَهُ لِإِفْطَارِهِ، وَإِذَا أَصَابَ حَشَفَةً حَبَسَهَا لِإِفْطَارِهِ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، قُومُوا بِالْمَوْسِمِ، فَقَامُوا فَقَالَ: أَلَا اجْلِسُوا إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَجَلَسُوا فَقَالَ: أَلَا اجْلِسُوا إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَجَلَسُوا فَقَالَ: أَلَا اجْلِسُوا إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْ مُرَادٍ، فَجَلَسُوا فَقَالَ: أَلَا اجْلِسُوا إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْ قَرَنٍ، فَجَلَسُوا إِلَّا رَجُلٌ، وَكَانَ ابْنُ عَمِّ أُوَيْسِ بْنِ أَنَسٍ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَقَرَنِيٌّ أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: تَعْرِفُ أُوَيْسًا؟ فَقَالَ: وَمَا تَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَوَاللَّهِ، مَا فِينَا أَحْمَقُ مِنْهُ، وَلَا أَجَنُّ مِنْهُ، وَلَا أَحْوَجُ مِنْهُ، فَبَكَى عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:"يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ مِنْكُمْ مِثْلُ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ".قَالَ هَرِمُ بْنُ حَيَّانَ: فَلَمَّا بَلَغَنِي ذَلِكَ قَدِمْتُ الْكُوفَةَ، فَلَمْ يَكُنْ لِي هَمٌّ إِلَّا طَلَبَهُ، حَتَّى سَقَطْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ نِصْفَ النَّهَارِ يَتَوَضَّأُ، فَعَرَفْتُهُ بِالنَّعْتِ الَّذِي نُعِتَ لِي، فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ لَحِيمٌ آدَمُ شَدِيدُ الْأَدَمَةِ أَشْعُرُ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، مَهِيبٌ الْمَنْظَرِ، وَزَادَ غَيْرُهُ قَالَ: كَانَ رَجُلًا أَشْهَلَ أَصْهَبَ عَرِيضَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ وَفِي عُنُقِهِ الْيُسْرَى وَضَحٌ، وَضَارِبٌ بِلِحْيَتِهِ عَلَى صَدْرِهِ، نَاصِبٌ بَصَرَهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ، فَنَظَرَ إِلَيَّ وَمَدَدْتُ يَدِي لِأُصَافِحَهُ فَأَبَى أَنْ يُصَافِحَنِي، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَا أُوَيْسُ وَغَفَرَ لَكَ، رَحِمَكَ اللَّهُ، كَيْفَ أَنْتَ، رَحِمَكَ اللَّهُ، ثُمَّ خَنَقَتْنِي الْعَبْرَةُ مِنْ حُبِّي إِيَّاهُ، وَرِقَّتِي عَلَيْهِ، لِمَا رَأَيْتُ مِنَ حَالَتِهِ، حَتَّى بَكَيْتُ وَبَكَى قَالَ: وَأَنْتَ حَيَّاكَ اللَّهُ يَا هَرِمُ بْنُ حَيَّانَ، كَيْفَ أَنْتَ يَا أَخِي مَنْ دَلَّكَ عَلَيَّ؟ فَقُلْتُ: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: لَا إِلَهُ إِلَّا اللَّهُ، سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا، فَقُلْتُ لَهُ: مِنْ أَيْنَ عَرَفْتَ اسْمِي وَاسْمَ أَبِي، وَمَا رَأَيْتُكَ قَبْلَ الْيَوْمِ قَالَ: أَنْبَأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ، عَرَفَتْ رُوحِي رُوحَكَ حِينَ كَلَّمَتْ نَفْسِي نَفْسَكَ، إِنَّ الْأَرْوَاحَ لَهَا أَنْفَاسٌ كَأَنْفَاسِ الْأَجْسَادِ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَتَحَابُونَ بِرُوحِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ لَمْ يَلْتَقُوا وَيَتَعَارَفُوا، وَإِنْ نَأَتْ بِهِمُ