قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْغَضَبُ مِنْ نَزَعَاتِ الشَّيْطَانِ يَخْرُجُ بِهِ الْإِنْسَانُ عَنْ حَدِّ الِاعْتِدَالِ صُورَةً وَسُرَّةً حَتَّى يَتَكَلَّمَ بِالْبَاطِلِ وَيَفْعَلَ الْمَذْمُومَ شَرْعًا وَعُرْفًا، وَيَنْوِيَ الْحِقْدَ وَالْبُغْضَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْقَبَائِحِ الَّتِي كُلُّهَا مِنْ أَثَرِ سُوءِ الْخُلُقِ، بَلْ قَدْ يَكْفُرُ، وَلِهَذَا قَالَ: لَا تَغْضَبْ وَأَصَرَّ عَلَيْهِ مَعَ إِلْحَاحِ السَّائِلِ مُرِيدًا لِلزِّيَادَةِ أَوِ التَّبْدِيلِ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: حَسِّنْ خُلُقَكَ، وَهُوَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، فَالْحَدِيثُ مِنْ بَدَائِعِ الْكَلِمِ، ثُمَّ عِلَاجُهُ مَعْجُونٌ مُرَكَّبٌ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ بِأَنْ يَرَى الْكُلَّ مِنَ اللَّهِ، وَيُذَكِّرَ نَفْسَهُ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ أَعْظَمُ وَفَضْلَهُ أَكْثَرُ، وَكَمْ خَالَفَ أَمْرَهُ وَلَمْ يَغْضَبْ عَلَيْهِ، وَيَتَعَوَّذَ وَيَتَوَضَّأَ وَيَشْغَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَدْ كَانَ - صلى الله عليه وسلم - مُكَاشِفًا بِأَوْضَاعِ الْخَلْقِ عَارِفًا بِأَدْوَائِهِمْ يَضَعُ الْهَنَا مَوْضِعَ النَّقْبِ يَأْمُرُهُمْ بِمَا هُوَ أَوْلَى بِهِمْ، فَلَمَّا اسْتَوْصَاهُ الرَّجُلُ وَقَدْ رَآهُ مَمْلُوءًا بِالْقُوَّةِ الْغَضَبِيَّةِ لَمْ يَرَ لَهُ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَتَجَنَّبَ عَنْ دَوَاعِي الْغَضَبِ وَيُزَحْزِحَ نَفْسَهُ عَنْهُ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَعَلَّهُ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا رَأَى أَنَّ جَمِيعَ الْمَفَاسِدِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ وَتَعْتَرِيهِ إِنَّمَا تَعْرُضُ لَهُ مِنْ فَرْطِ شَهْوَتِهِ وَاسْتِيلَاءِ غَضَبِهِ، وَالشَّهْوَةُ مَكْثُورَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَقْتَضِيهُ الْغَضَبُ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إِلَيْهَا، فَلَمَّا سَأَلَهُ الرَّجُلُ أَنْ يُشِيرَ إِلَيْهِ مَا يَتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى التَّجَنُّبِ عَنِ الْقَبَائِحِ وَالتَّحَرُّزِ عَنْ مَظَانِّهَا نَهَاهُ عَنِ الْغَضَبِ الدَّاعِي إِلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ ضَرَرًا وَأَكْثَرَ وِزْرًا، فَإِنَّ ارْتِفَاعَ السَّبَبِ يُوجِبُ ارْتِفَاعَ مُسَبِّبَاتِهِ لَا مَحَالَةَ.
قُلْتُ: هُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ وَبَيَانٌ مُسْتَحْسَنٌ إِلَّا أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ مَدَارَ الْغَضَبِ عَلَى شَهْوَةِ النَّفْسِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَغْضَبُ غَضَبًا مَذْمُومًا إِلَّا بِتَوَهُّمِ فَوْتِ شَهْوَةٍ لَهُ أَوْ بَعْدَ تَحَقُّقِ فَرْقًا، وَلِهَذَا تَرَى كُلَّ مَا كَانَ شَهْوَتُهُ أَكْثَرَ كَالْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ يَكُونُ غَضَبُهُ أَكْبَرَ، وَيَجُبُّ عَنْهُ الْحَذَرُ." [1] "
وقال تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى:43]
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3187)