وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «لَا تُمَارِ أَخَاكَ، وَلَا تُمَازِحْهُ، وَلَا تَعِدْهُ مَوْعِدًا فَتُخْلِفَهُ» [1]
قال ابن حجر:[والجَمع بَينَهما أَنَّ المَنهِيّ عَنهُ ما فِيهِ إِفراط أَو مُداومَة عَلَيهِ لِما فِيهِ مِنَ الشُّغل عَن ذِكر الله والتَّفَكُّر فِي مُهِمّات الدِّين ويَئُولُ كَثِيرًا إِلَى قَسوة القَلب والإِيذاء والحِقد وسُقُوط المَهابَة والوقار، والَّذِي يَسلَم مِن ذَلِكَ هُو المُباح، فَإِن صادَفَ مَصلَحَة مِثل تَطَيُّب نَفس المُخاطَب ومُؤانَسَته فَهُو مُستَحَبّ.
قالَ الغَزالِيّ: مِنَ الغَلَط أَن يُتَّخَذ المِزاح حِرفَة، ويُتَمَسَّك بِأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - مَزَحَ فَهُو كَمَن يَدُور مَعَ الرِّيح حَيثُ دارَ، ويَنظُر رَقصهم، ويُتَمَسَّك بِأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - أَذِنَ لِعائِشَة أَن تَنظُر إِلَيهِم.] [2] .
وقال الماوردي في كتابه (أدب ا لدنيا والدين) : [وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: اتَّقُوا الْمِزَاحَ فَإِنَّهَا حِمْقَةٌ تُورِثُ ضَغِينَةً. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إنَّمَا الْمِزَاحُ سِبَابٌ إلَّا أَنَّ صَاحِبَهُ يُضْحِكُ. وَقِيلَ: إنَّمَا سُمِّيَ الْمِزَاحُ مِزَاحًا لِأَنَّهُ يُزِيحُ عَنِ الْحَقِّ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: الْمِزَاحُ
(1) - الأدب المفرد مخرجا (ص:142) (394) فيه ضعف
قَالَ: لَا تُمَارِ):بِضَمِّ أَوَّلِهِ، مِنَ الْمُمَارَاةِ أَيْ: لَا تُجَادِلْ وَلَا تُخَاصِمْ (أَخَاكَ) أَيِ: الْمُسْلِمَ (وَلَا تُمَازِحْهُ) أَيْ: بِمَا يَتَأَذَّى مِنْهُ (وَلَا تَعِدْهُ مَوْعِدًا) أَيْ: وَعْدًا أَوْ زَمَانَ وَعْدٍ أَوْ مَكَانَهُ (فَتُخْلِفَهُ) :مِنَ الْإِخْلَافِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالرَّفْعِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنْ رُوِيَ مَنْصُوبًا كَانَ جَوَابًا لِلنَّهْيِ عَلَى تَقْدِيرِ: فَيَكُونُ مُسَبَّبًا عَمَّا قَبْلَهُ، فَعَلَى هَذَا التَّنْكِيرِ فِي مَوْعِدِ النَّوْعِ مِنَ الْمَوْعِدِ، وَهُوَ مَا يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ يَعْزِمَ عَلَيْهِ قَطْعًا، وَلَا يُسْتَثْنَى فَيَجْعَلُ اللَّهُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْإِخْلَافِ، أَوْ يَنْوِي فِي الْوَعْدِ كَالْمُنَافِقِ، فَإِنَّ آيَةَ النِّفَاقِ الْخُلْفُ فِي الْوَعْدِ، كَمَا وَرَدَ: إِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ مُطْلَقِ الْوَعْدِ ; لِأَنَّهُ كَثِيرًا مَا يُفْضِي إِلَى الْخُلْفِ، وَلَوْ رُوِيَ مَرْفُوعًا كَانَ الْمَنْهِيُّ الْوَعْدَ الْمُسْتَعْقِبَ لِلْإِخْلَافِ، أَيْ: لَا تَعِدْهُ مَوْعِدًا فَأَنْتَ تُخْلِفُهُ، عَلَى أَنَّهُ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَى إِنْشَائِيَّةٍ، وَعَلَى هَذَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مَسَائِلُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَعَدَ إِنْسَانًا شَيْئًا لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَفِيَ بِوَعْدِهِ، وَهَلْ ذَلِكَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ؟ فِيهِ خِلَافٌ ; ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، فَلَوْ تَرَكَهُ فَاتَهُ الْفَضْلُ وَارْتَكَبَ الْمَكْرُوهَ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، وَلَا يَأْثَمُ يَعْنِي مِنْ حَيْثُ هُوَ خَلَفَ، وَإِنْ كَانَ يَأْثَمُ إِنْ قَصَدَ بِهِ الْأَذَى قَالَ: وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ ; مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَبَعْضُهُمْ إِلَى التَّفْضِيلِ. وَيُؤَيِّدُ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ مَا أَوْرَدَهُ فِي الْإِحْيَاءِ ; حَيْثُ قَالَ: وَكَانَ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَوْعَدَ وَعْدًا قَالَ: عَسَى، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَا يَعِدُ وَعْدًا إِلَّا وَيَقُولُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ الْأَوْلَى. ثُمَّ إِذَا فُهِمَ مَعَ ذَلِكَ الْجَزْمُ فِي الْوَعْدِ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْوَفَاءِ إِلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْوَعْدِ عَازِمًا عَلَى أَنْ لَا يَفِيَ بِهِ فَهَذَا هُوَ النِّفَاقُ. اهـ. وَهَذَا كُلُّهُ يُؤَيِّدُ الْوُجُوبَ إِذَا كَانَ الْوَعْدُ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِعَسَى أَوْ بِالْمَشِيئَةِ وَنَحْوِهِمَا، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جَازِمٌ فِي وَعْدِهِ، فَقَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَوْلَى مَحَلُّ بَحْثٍ كَمَا لَا يَخْفَى. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (7/ 3067)
(2) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (10/ 526)