فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 234

قلت: ومفهومه وحتى يكره لأخيه ما يكرهه لنفسه.

قال ابن رجب:[وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسُوءُهُ مَا يَسُوءُ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ، وَيُحْزِنُهُ مَا يُحْزِنُهُ.

وَحَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي نَتَكَلَّمُ الْآنَ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسُرُّهُ مَا يَسُرُّ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ، وَيُرِيدُ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُرِيدُهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا يَأْتِي مِنْ كَمَالِ سَلَامَةِ الصَّدْرِ مِنَ الْغِلِّ وَالْغِشِّ وَالْحَسَدِ، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَقْتَضِي أَنْ يَكْرَهَ الْحَاسِدُ أَنْ يَفُوقَهُ أَحَدٌ فِي خَيْرٍ، أَوْ يُسَاوِيَهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَمْتَازَ عَلَى النَّاسِ بِفَضَائِلِهِ، وَيَنْفَرِدَ بِهَا عَنْهُمْ، وَالْإِيمَانُ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ يُشْرِكَهُ الْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ فِيمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْخَيْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ. وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ مَنْ لَا يُرِيدُ الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ وَلَا الْفَسَادَ، فَقَالَ: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا} [القصص:83] (الْقَصَصِ:83) .] [1] .

وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَيَأْتِي إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ" [2]

وكيفية تطبيق هذه القاعدة يكون بمعرفة أن الأمور الثلاثة: شر لاشك فيه، وخير لاشك فيه، وشيء متردد بينهما، فالشر مطلوب الكف عنه وهو ما أشرنا إليه بكف الأذى، والخير المطلوب فعله وهو ما أشرنا إليه بإيصال النفع إلى الناس قدر الاستطاعة، وأما الأمر الثالث المتردد فيه فعليك بأن تفكر قبل الإقدام هل ترضاه لنفسك أم لا؟ فإن رضيته لنفسك ولم يخالف حكمًا شرعياَ فأقدم وإلا فلا.

وكما ترى فهذه القاعدة (وهي أن تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك) متضمنة لشقي المعاملة الذين أشرت إليهما آنفا هما كف الأذى وجلب

(1) - جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/ 306)

(2) - مسند أحمد ط الرسالة (11/ 411) (6807) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت