المهاجرين والأنصار. ويكفينا في جواز ما فعله زيد، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - له: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ» .
* ومثل هذا ما رواه البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ، آثَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أُنَاسًا فِي القِسْمَةِ، فَأَعْطَى الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ العَرَبِ فَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي القِسْمَةِ، قَالَ رَجُلٌ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ القِسْمَةَ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -،فَأَتَيْتُهُ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ» [1] .
قال ابن حجر:[وفِي هَذا الحَدِيث جَواز إِخبار الإِمام وأَهل الفَضل بِما يُقال فِيهِم مِمّا لا يَلِيق بِهِم لِيُحَذِّرُوا القائِل وفِيهِ بَيان ما يُباح مِنَ الغِيبَة والنَّمِيمَة لأَنَّ صُورَتهما مَوجُودَة فِي صَنِيع ابن مَسعُود هَذا ولَم يُنكِرهُ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -،وذَلِكَ أَنَّ قَصد ابن مَسعُود كانَ نُصح النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وإِعلامه بِمَن يَطعَن فِيهِ مِمَّن يُظهِر الإِسلام ويُبطِن النِّفاق لِيَحذَر مِنهُ، وهَذا جائِز كَما يَجُوز التَّجَسُّس عَلَى الكُفّار لِيُؤمَن مِن كَيدهم، وقَد ارتَكَبَ الرَّجُل المَذكُور بِما قالَ إِثمًا عَظِيمًا فَلَم يَكُن لَهُ حُرمَة.
وفِيهِ أَنَّ أَهل الفَضل قَد يُغضِبهُم ما يُقال فِيهِم مِمّا لَيسَ فِيهِم، ومَعَ ذَلِكَ فَيَتَلَقَّونَ ذَلِكَ بِالصَّبرِ والحِلم كَما صَنَعَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - اقتِداءًا بِمُوسَى عَلَيهِ السَّلام، وأَشارَ بِقَولِهِ:"قَد أُوذِيَ مُوسَى"إِلَى قَوله تَعالَى: يا أَيّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوا مُوسَى"] [2] ."
* عنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كُنْتُ أُقْرِئُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا عُمَرُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِمِنًى: لَوْ شَهِدْتَ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَتَاهُ رَجُلٌ قَالَ: إِنَّ فُلاَنًا يَقُولُ: لَوْ مَاتَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ لَبَايَعْنَا فُلاَنًا، فَقَالَ عُمَرُ: «لَأَقُومَنَّ العَشِيَّةَ، فَأُحَذِّرَ هَؤُلاَءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ» ،قُلْتُ: لاَ
(1) - صحيح البخاري (4/ 95) (3150) وصحيح مسلم (2/ 739) 140 - (1062)
[ش (آثر أناسا) اختارهم وخصهم بشيء عن غيرهم. (القسمة) أي قسمة الغنيمة. (رجل) قيل هو معتب بن قشير وهو من المنافقين]
(2) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (10/ 512)