وَلاَ يَحْسَبُ الذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ فَاتُونَا وَسَبَقُونَا، وَنَجَوا مِنْ عَاقِبَةِ خِيَانَتِهِمْ وَغَدْرِهِمْ، فَلاَ نَقْدِرُ عَلَيْهِمْ، فَهُمْ تَحْتَ قَهْرِنَا وَقُدْرَتِنَا، وَفِي قَبْضَةِ مَشِيئَتِنَا، فَلا يُعْجِزُونَنَا عَنْ إِدْرَاكِهِمْ، وَسَنَجْزِيهِمُ الجَزَاءَ الأَوْفَى. [1]
وفيه تطمين لقلوب المسلمين، ودفع لوساوس الخوف، التي تطرقهم وهم يعطون من أنفسهم الوفاء لعدوهم بالعهد الذي بينهم وبينه، على حين أنه يغدر بهم، ويباغتهم بهذا الغدر، فكيف يحاربهم العدو بسلاح ثم يحرم عليهم محاربته بهذا السلاح؟ فليطمئن المسلمون، وليعلموا أن هؤلاء الذين خانوا العهد، لم يسبقوا بتلك الخيانة إلى أخذ فرصة في المسلمين، لأنهم- وقد فعلوا ما فعلوا من خيانة- قد تعرضوا لبغض الله وغضبه. «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ» وحسبهم هذا خسرانا وبلاء! [2]
أي: لا يحسب الكافرون بربهم المكذبون بآياته، أنهم سبقوا الله وفاتوه، فإنهم لا يعجزونه، والله لهم بالمرصاد. وله تعالى الحكمة البالغة في إمهالهم وعدم معاجلتهم بالعقوبة، التي من جملتها ابتلاء عباده المؤمنين وامتحانهم، وتزودهم من طاعته ومراضيه، ما يصلون به المنازل العالية، واتصافهم بأخلاق وصفات لم يكونوا بغيره بالغيها" [3] "
فتبييتهم الغدر والخيانة لن يمنحهم فرصة السبق، لأن الله لن يترك المسلمين وحدهم، ولن يفلت الخائنين لخيانتهم. والذين كفروا أضعف من أن يعجزوا الله حين يطلبهم، وأضعف من أن يعجزوا المسلمين والله ناصرهم. فليطمئن أصحاب الوسائل النظيفة - متى أخلصوا النية فيها لله - من أن يسبقهم أصحاب الوسائل الخسيسة. فإنما هم منصورون بالله الذي يحققون سنته في الأرض، ويعلون كلمته في الناس، وينطلقون باسمه. يجاهدون ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده بلا شريك. ولكن الإسلام يتخذ للنصر عدته الواقعية التي تدخل في طوق العصبة المسلمة فهو لا يعلق أبصارها بتلك الآفاق العالية إلا وقد أمن لها الأرض الصلبة التي تطمئن عليها أقدامها وهيأ لها الأسباب العملية التي تعرفها
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1220،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - التفسير القرآني للقرآن (5/ 647)
(3) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص:324)