ومن ثم ندرك معنى قول الله عز وجل: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور ) هذا الفرح الذى تصدر عنه مظاهر الخيلاء والكبرياء، والذى تنبعث منه عوامل الإفساد للبلاد والعباد، هو الذى نُهى عنه"قارون"، ثم وجهت له بعد ذلك النصيحة المترتبة على حسم:ه (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين) وثم شىء آخر لا يجوز إغفاله في تنظيم المجتمع الإنسانى؟ إن تنعيم قوم ليس معناه إشقاء آخرين، وإن تسعير المواهب العليا بإكرام ذويها، لا يستلزم تجويع سائر الطوائف الأخرى، وإهانة بنيها. ولماذا يقع في وهم الناس أن تكريم شخص مبنى دائما على تحقير شخص آخر. إن الله ـ تبارك وتعالى ـ فاوت بين الناس حقا، فيما آتاهم من ملكات عقلية وقوى أدبية ومادية. وقد أمرنا أن نرعى ذوى الكفايات، وألا ننقصهم أقدارهم. لكنه ضم إلى ذلك، أن الناس جميعا يربطهم نسب واحد، وتقرب بينهم أواصر مشتركة، وأن تجاهل هذه الحقيقة، قطع لما يجب وصله، ولذلك قال: (...ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) وعندما حاول"قارون"، أن يستند إلى مواهبه المزعومة، في تبرير عظمته وتسويغ أبهته، والانتفاخ بماله وجاهه. قال:"قال إنما أوتيته على علم عندي". وليكن ما قاله"قارون"صحيحا، فهل تسعير علمه هذا، وإعطاؤه حقه، لا يكون إلا بالبغى على قومه والاستعلاء فيهم؟:"أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون)189"